أوكرانيا: الحرب والتاريخ

أكرانيا.png

فرانكو كارديني وفابيو ميني

فاتنة نوفل

هذا الكتاب مُثير للاهتمام لسببين أولهما: إنه صَدَر عن دار نشر تابعة لصحيفة تنتقد روسيا بشدة و"معادية لبوتين" وثانيهما: أنه يحمل توقيع مؤلفين بارعين في مجالين مختلفين: فرانكو كارديني المؤرخ وأستاذ تاريخ العصور الوسطى والكاتب الذي يعرف روسيا جيدًا وفابيو ميني وهو لواء في الجيش يعرف الناتو وخبير في الموضوعات الاستراتيجية والجذور التاريخية للصراع. يُعبران فيه بلغة مباشرة وبقاسم مشترك بينهما، وهو التنديد بمسؤوليات أمريكا الجسيمة في الحرب، ويشتركان في الدقة في تحليلاتهما؛ مما يجعلهما قادرين على التغلب على السطحية التي تكثر في تحليل الصراع الروسي-الأوكراني؛ حيث يخرج المؤلفان عن السياق السياسي المعمول به بالعودة إلى الحقائق المُدْرَجة في قائمة دقيقة من التسلسل الزمني وليس على الدعاية الإعلامية المتداولة.

 

الكتاب مُقَسَّم الى جزءين  يبدأ المؤرخ كارديني في الجزء الأول منه بإعادة بناء الأحداث التاريخية التي أدت إلى 24 فبراير ليؤكد فيه أن "الإيطاليين والغربيين في الغالب ما زالوا فاشلين في فهم سبب بدء الغزو الروسي"؛ لأنهم -بتضليل الإعلام والسياسيين- لم يدركوا أن الأمر لم يبدأ بإعلان بوتين عن تلك الحرب، حيث تَتَبع الأسباب الجذرية للصراع من تفكك الاتحاد السوفياتي وتاريخ القومية في كييف وتَوَسُّع حلف شمال الأطلسي إلى الشرق وتدخل واشنطن في السياسة الأوكرانية، وهي نقاط البداية لتقديم إجابات تفصيلية على الأسئلة التي يطرحها الجميع، بينما يفحص الجنرال ميني الوضع على الأرض في ضوء العقائد العسكرية الحديثة في إطار مُعَقَّد تاريخيًا وجيوسياسيًا؛ حيث من الصعب إعادة بناء الأحداث التي أدت إلى الوضع الدراماتيكي الحالي بسبب المعلومات الجزئية والتي تركز بشكل كامل على الوقائع وليس على الحقائق، وأن لكل صراع  جذوره في الماضي ومعرفتها تساعد على فهم اليوم لينتهي إلى نتيجة أن "الأمريكيين مقتنعون بأن أوكرانيا ستفوز بدعمهم، ولكن إذا خسرت فإنها ستؤدي"فقط" إلى نهاية أوروبا وحلف شمال الأطلسي دون الإِضْرار بالمصالح الأمريكية التي ستستفيد بشكل كبير". في عام 2002 وفي أعقاب 11 سبتمبر، أراد بوتين تجاوز غورباتشوف وكان يهدف إلى تعاون مشترك آمن يشمل أمريكا. في ذلك الوقت كان الخطر الأكبر الذي شعر به الجميع هو الإسلام وكيفية محاربته، ولكن في غضون سنوات قليلة كانت هناك نقطة تحول لم يلاحظها الغربيون، أو أنهم أدركوها متأخرين.

في عام 2003، عندما اكتملت التحولات إلى الأنظمة الجديدة في بلدان حلف وارسو السابق وكان الرأي العام يفيض بمعاداة روسيا، كانت جورجيا تخوض أول تجربة لثورة ملونة ضد الاتحاد الروسي. في عام 2008، ساعدت موسكو الأقلية الأوسيتية داخل جورجيا على إنشاء إقليم مستقل بات يُعْرَف بجمهورية أوسيتيا الجنوبية الشعبية بحيث يُقابل صواريخ الناتو الموضوعة في جورجيا والموجهة إلى موسكو نَفْس العدد من الصواريخ الروسية في أوسيتيا الجنوبية وتستهدف العالم الغربي.

 

الحرب الجارية بدأت فعليًا في فترة العامين 2015-2014، في أعقاب الثورة الوهمية في ساحة "الميدان" والتي أدت إلى تغيير النظام في أوكرانيا وخلع الرئيس الشرعي الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش بدايةً وتعيين حكومة مؤقتة، ثم الإتيان بأخرى موالية للحكومات الغربية والناتو. ساءت العلاقات بين أوكرانيا والاتحاد الروسي؛ لأن الإدارات الجديدة الموالية للغرب أعلنت استعدادها للانضمام إلى حلف الناتو ولم يستطع بوتين السماح بذلك؛ فدخول كييف إلى حلف الناتو يعني في الواقع نشر صواريخ ذات رؤوس نووية على حدودها موجهة نحو موسكو وقادرة على تدميرها في بضع دقائق ما يعني لروسيا قضية أمن قومي. ولهذا السبب؛ كان للناتو وقبل توسعه نحو الشرق دور أساسي في هذا الشأن، وقد أدى ذلك إلى انقسام بين الأوكرانيين "القوميين والموالين لروسيا"؛ ثم كانت هناك مذبحة أوديسا، حيث قتل القوميون الأوكرانيون 48 شخصًا من أصل روسي وفقًا للتقديرات الرسمية، ومن ثم مذبحة المدنيين من أصل روسي في الدونباس والتي اتخذ بسببها بوتين قرار العملية العسكرية. من هنا نفهم أن هناك حربًا أهلية حقيقية في أوكرانيا لم تبدأ من اليوم أو منذ شهر بل قبل ثماني سنوات؛ الأمر الذي لم يكن يُدركه معظم الناس بسبب الإِعلام إذ لم يتم تناول تلك الأحداث قط. في عام 2016 أطلق الناتو مناورة أناكوندا في بولندا والتي كانت بِنيَّة واضحة لتخويف روسيا، لدرجة أن الصحفي والمؤرخ الدبلوماسي الإيطالي سيرجيو رومانو قال مؤكداً إن "الناتو مخطئ" ليؤكد استنتاجات كارديني الواضحة للغاية": أنه في هذه المرحلة لم يكن أمام الاتحاد الروسي أي خيار؛ وكان عليه الاعتماد على السلاح لحماية جمهوريتي دونباس اللتين أعلنتا استقلالهما؛ والقيام بذلك في أقرب وقت ممكن قبل أي دخول أوكراني رسمي إلى الناتو من شأنه أن يعزز من إمكانات الحرب المحتملة للتحالف بأكمله ضده.
الناتو منظمة عسكرية دولية أُنْشئت لأغراض دفاعية تتمثل مهمتها في احتواء الأخطار في منطقة شمال الأطلسي. قام الحلف خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي "بإعادة تدوير نفسه"، حيث قام في كثير من الأحيان بِمَهام مختلفة عن وظيفته الأصلية. يمكننا القول أنه مرَّ بثلاث مراحل: من عام 1949 إلى عام 1991 كان له وظيفة احتواء التهديد السوفيتي ثم فترة وَسَطية أعاد فيها الحلف تدوير نفسه في وظيفة معاداة المسلمين وأخيراً، في المرحلة الأخيرة كان هناك غرض آخر مُشتق من حقيقة أن روسيا مع بوتين قد استعادت مكانتها وتميل إلى إعادة الدخول في صفوف القوى العالمية العظمى، وهذه مشكلة لأنها تهدد القطبية الأحادية الأمريكية إذ يجب أن نتذكر أن القائد العسكري للتحالف يجب أن يكون جنرالاً أمريكياً يعتمد بدوره على رئيس الولايات المتحدة؛ ما يعني أن الناتو واقع عسكري بيد الولايات المتحدة. لذلك؛ عندما نقول إن الحلف يريد التقدم شرقًا، فإننا نقول في الواقع إن الولايات المتحدة هي التي تريد إنشاء حدود شرقية وتميل إلى السيطرة أكثر فأكثر مما تفعل روسيا. 

 

يحاول جزء من الأوكرانيين التأكيد بأن روسيا وأوكرانيا كيانان مختلفان تمامًا وهذا ليس صحيحًا؛ فمن الصحيح أنه في القرن التاسع عشر وفي الكثير من أنحاء أوروبا، وُلِدَت الحركات الوطنية ثم أصبحت قومية، مما أدى إلى تفكك مفهوم التضامن الأوروبي الذي كان موجودًا أولاً من خلال المسيحية ثم من خلال العلاقة بين مختلف الممالك الأوروبية. امتدت هذه الحركات الوطنية أيضًا إلى أوكرانيا التي اتخذت من الوطنية الفرنسية نموذجًا لها: كان أحد العناصر المميزة الأولى للقومية الأوكرانية هو المعاداة القوية لليهودية والتي انتشرت بسببها وعلى نطاق واسع ممارسة المذابح وتدمير القرى اليهودية والتي تمخضت عنها فرقة مثل  آزوف في يومنا هذا. قَدَّم القوميون الأوكرانيون مساهمة تطوعية كبيرة للجيش الألماني خاصة في الفترة الستالينية، حيث أنشأوا ثلاث فرق مُدَرّعة متطوعة ولهذا عوقبوا بشدة من قبل ستالين الذي أطلق عليهم النار بشكل جماعي. أثارت القومية التي ظهرت بين القرنين التاسع عشر والعشرين مشاعر عنيفة معادية لروسيا، ولهذا تعرضوا للضرب أولاً على يد السوفييت ثم على يد بوتين بينما فضَّل الوجهاء السوفييت من أصل أوكراني انفصال أوكرانيا عن روسيا. إذاً الآن هناك حالة حرب أهلية بين الأوكرانيين الذين يريدون إنشاء أمة مستقلة تمامًا عن روسيا وربما حتى ضد روسيا، والأوكرانيين الذين يريدون أن يظلوا روسيين عرقيًا وثقافيًا، وهذه الحقيقة الأخيرة لم تظهر في الإعلام؛ لأن الأمر يتطلب عمليات بث مخصصة لها.

في بيان بوتين العام قال: إن أوكرانيا الحديثة تم إنشاؤها قبل كل شيء من قبل الرئيس السوفيتي السابق خروتشوف الذي كان أوكرانيًا ومنح كييف حكماً ذاتياً قوياً في عام 1962 بالإضافة إلى شخصية مهمة أخرى كوزير الاتحاد السوفيتي شيفرنادزه الذي خلق أشكالاً مهمة من الاستقلال، كما حدث مع دولة جورجيا التي انفصلت عن روسيا وانتهى بها الأمر إلى اتخاذ سلوك مناهض لها. تَعتبر أيديولوجية بوتين أوكرانيا جزءًا لا يتجزأ من التاريخ والثقافة الروسية، وبالتالي فهي معادية إلى حد ما لتحقيق كييف لاستقلال حقيقي؛ فهو يعتبر أوكرانيا القلب التاريخي لروسيا؛ فروسيا وُلِدت في كييف وهذا أمر لا جدال فيه. لم يعترض أحد على الإطلاق حتى يومنا هذا على أن الأديب غوغول كان أوكرانيًا، وفي نفس الوقت كان مَجْدًا للأدب الروسي. الأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو حقيقة أن أوكرانيا يجب أن تعود إلى كونها روسية اليوم وهذا لم يطلبه بوتين حتى يومنا هذا. ومع ذلك، على عكس الحقبة السوفيتية، تُصِّر الحكومة الروسية الحالية بشدة على أن أوكرانيا جزء أساسي لا غنى عنه من الهوية الروسية وهذه حقيقة؛ لطالما شعر الأوكرانيون بأنهم روس على الرغم من وجود هوية أوكرانية لكنها لم تكن أبدًا هوية وطنية.

 

لقد قال بوتين بوضوح ما يريد: دونباس والقُرُم ووقف تقدم الناتو شرقاً والحرب قائمة لأن أحداً لم يستمع إليه. إن القول بأن بوتين لا يريد التفاوض كما يردد البعض، هو قول غير دقيق؛ فهو يريد التعامل من نقطة قوية ولهذا يكثف العمليات العسكرية. إنه لا يزال مسيطرًا على القوات المسلحة وبالتأكيد أول من لا يرغب في استخدام الخيار النووي.

ومع ذلك فقد قيل العديد من الأشياء بما في ذلك أن بوتين يريد إعادة بناء الاتحاد السوفيتي، وأنه يهدف إلى غزو دول البلطيق، وحتى أنه يريد استعادة ألمانيا، وهذا كله "هراء دعائي"، كما يقول المؤلفان. ليس لدى بوتين أي نية من هذا القبيل، وحتى لو كان ذلك حقيقيًا فلن تكون لديه القوة لفعل شيء كهذا، لكن ما هو صحيح هو أن بوتين يريد استعادة هوية سياسية وثقافية قوية لروسيا وإعادة إطلاقها عالميًا كقوة عظمى، وهو ما نلاحظه في المفاوضات التي يسودها صمتٌ عميق أثناء الاجتماعات ولا تتناولها وسائل الإعلام التي لا تميل إلى تحليل وفك تشفير هذه الأحداث وتركز فقط على العمليات العسكرية في إجماع استثنائي من نوع الدعاية في جميع وسائل الإعلام ولدى جميع الأحزاب السياسية. وهنا يبدو من الواضح أن الأمريكيين وحلف الناتو الذين يعتمدون عليه قد قطعوا وعودًا كبيرة بالدعم إلى زيلينسكي مما سمح له بانتهاك معاهدات مينسك. 

يقول فرانكو كارديني: "أنا خائف" وخائف من الناتو أكثر من بوتين؛ لأنه لا يبدو أن حلف الأطلسي تقوده بشكل خاص شخصيات بعيدة النظر؛ إذ لا قدر الله حدث ما لم يأمل أحد بحدوثه، فلن يضرب الروس ولاية بنسلفانيا بل قواعد سيغونيللا وأفيانو وكامب ديربي في إيطاليا، ولوضع حد لهذه الحرب يجب التفاوض؛ لكن هناك انطباع بأنه يوجد داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية دعاة يميلون إلى البحث عن حلول خطيرة. ترامب لديه آلاف العيوب، لكنه ينتمي إلى التقاليد الأمريكية الانعزالية القديمة ولا يبحث عن مغامرات خارج حدوده. باختصار، لو كان الجمهوريون في السلطة اليوم لكانت الأمور أكثرهدوءًا، فالحروب الخارجية دائمًا ما يكون لها سياق داخلي قوي. أمريكا لديها ديون عامة وداخلية هائلة، تقع في جزء كبير منها بشكل مباشر أو غير مباشر في أيدي الصين. الدولة الصغيرة عندما تكون مَدينة تطلب خصومات لكن القوة العظمى عندما تكون مَدينة تثير الحرب، التاريخ يعلمنا ذلك.

 

أما بالنسبة إلى أوروبا فقد أفرغت نفسها إلى حد كبير من مُحتواها التقليدي وسمحت لنفسها بالأمركة ثقافيًا. بالإضافة إلى ذلك، فهي ليست اتحادًا سياسيًا ولكنها اتحاد اقتصادي ومالي فقط، كونه قزمًا عسكريًا  يقرر فيه الناتو السياسة الأوروبية والقيادة العليا للناتو موجودة في واشنطن وهنا يقول المؤلفان: نحن نرغب في أوروبا مستقلة قادرة على العمل كَحَلْقة وصل بين الولايات المتحدة التي نحبها ونَدين لها بالكثير والعالم الأوراسي الذي نرتبط به تاريخيًا وتقليديًا. لذلك يجب إنهاء العقوبات المعمول بها، أو تخفيفها بالفعل، والانفتاح على الحوار السياسي؛ لأن غير ذلك يعني أننا فقدنا الفِطْرة السليمة؛ بوتين لن يجرؤ على الضغط على زرالأسلحة النووية، إلا إذا كان معرضا لخطر شديد بالاختفاء وهنا التاريخ مفيد: عندما قال هتلر في خطاب إذاعي "سامحني يا الله في الدقائق الخمس الأخيرة من الحرب"، كان من الواضح أنه شعر بالهزيمة حينها ولكنه كان على بُعْد خُطوة واحدة من امتلاك سلاح فَعَّال. ليس هناك أدنى شك في أن هتلر كان سيضغط على الزر، لكن لا يمكننا أن ننسى أن من استخدم القنبلة الذرية هي أكبر ديمقراطية في العالم.

ولنتذكر ما قاله موشيه ديان (رئيس الأركان الإسرائيلي السابق) عام 1966: "لن نتركهم يأخذوننا على حين غِرَّة ونحن غير مستعدين ولن نُرْسَل إلى المسلخ بعد الآن". كان المعنى واضحًا جدًا؛ فهو أيضًا كان لديه الزر في متناول اليد.

 

تفاصيل الكتاب:

العنوان: أوكرانيا: الحرب والتاريخ

المؤلف: فرانكو كارديني وفابيو ميني

دار النشر: بيبرفرست

بلد الاصدار: إيطاليا

لغة الكتاب: الايطالية

تاريخ الاصدار: أيار/ مايو 2022

عدد الصفحات: 144

أخبار ذات صلة