تقنية النانو في تغليف الأطعمة الصالحة للأكل

نانو تكنولوجي.jpg

فيمال كاتيار وتابلي جوش

فينان نبيل 

كاتبة وباحثة مصرية

يعد الغذاء الاحتياج الأول للإنسان لضمان بقائه. لذلك؛ مارس الصيد، وجمع الثمار من أول لحظات التاريخ، ولكنه ما لبث أن واجه مشكلة تلف الطعام. وفي محاولة منه للتكيف مع البيئة، تعلم حفظ الطعام وضمان سلامته لمدة أطول؛ فاستخدم عدة طرق لحفظ الطعام تتوافق مع البيئة المتاحة لديه؛ ففي كل مكان في أنحاء العالم هناك طريقة ما لحفظ الأغذية.

استخدم الإنسان عدة طرق للحفظ، ومنها التجفيف؛ لأنَّ الماء الموجود في الطعام يجعله أرضًا خصبة للكائنات الحية الدقيقة، وبجفاف الماء قد لا تتمكن الكائنات الدقيقة من إفساد الطعام. كانت الأطعمة تجفف بشكل طبيعي عن طريق الشمس، والرياح في مصر القديمة، وبلدان الشرق الأوسط منذ عام 1200 .ق.م،كما استخدم التمليح، حيث يعجل الملح عملية التجفيف، ويمنع نمو بعض البكتيريا الشائعة، خاصة عند التجارة عبر مسافات واسعة في المحيط؛ فقد حافظ الفينيقيون على الأسماك عن طريق تجفيفها، وتعبئتها بطبقات من الملح حوالي 1250 قبل الميلاد. كما تم اكتشاف أملاح النترات في القرن التاسع عشر، التي تمنع نمو بعض البكتريا في اللحوم وتسهم في احتفاظها بلونها الوردي.

 

تطور التبريد عندما اكتشف "كلارنس بيردسي" التجميد السريع كوسيلة تبطئ تكاثر الكائنات الحية الدقيقة في الطعام، ويبطيء الإجراءات الإنزيمية التي قد تتسبب في إفساد الطعام. أحدثت طريقة التجميد السريع عند درجة حرارة منخفضة ثورة في حفظ الأغذية؛  فهو يعد من أكثر العمليات استخدامًا للحفاظ على مجموعة متنوعة من الأطعمة حتى اليوم؛ فهو يمكن أن يجعل اللحوم، والخضروات أفضل تذوقًا. تسمح الثلاجات اليوم للطعام بالبقاء طازجًا لفترات أطول. استخدمت أيضاً طرق أخرى لحفظ الطعام مثل التسكير (المربى والهلام)، فكان من الشائع استخدام السكر، والعسل الطبيعي النقي، حيث يسحب السكر الماء من الميكروبات؛ مما يجعلها تجف وتموت في النهاية. واستخدُم التدخين باستخدام الفينول، وسيرينجول، وغيرها من المواد وسيلة للحفاظ على الأغذية، كما ظهرت فكرة التعليب كطريقة للحفظ عام 1806، على يد الفرنسي"أبيرت" الذي قدَّم مجموعة مختارة من الأطعمة المُعبأة، ثم حصل" بيتر دوراند"، وهو تاجر بريطاني على براءة اختراع لتقنية حفظ الطعام، باستخدام علبة من الصفيح كحاوية، وعرف باسم "أبو التعليب". وازدهر التعليب في عام 1855.

صاحب التغيرات البيئية، وزيادة أعداد سكان العالم، مع ندرة الغذاء، ورغبة الإنسان في الحفاظ عليه من التلف لوقت طويل، ظهورُ تكنولوجيا جديدة تعرف بـ"تقنية النانو" التي تعود فكرتها إلى العالم "ريتشارد فاينمان" في عام 1959، وقد حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965. ثم جاء " إيريك دركسلر" الذي صاغ مصطلح "تقنية النانو" في 1986، وقد تم استخدامها في حفظ الطعام،وسط الجدل الدائر حول الفوائد من استخدامها، والمخاطر التي قد تحيط بهذا الاستخدام. 

يُعرف علم النانو أنه العلم الذي يُعنى بدراسة وتوصيف مواد النانو، وتعيين خواصها الكيميائية والفيزيائية والميكانيكية، ودراسة الظواهر المرتبطة الناشئة عن تصغير أحجامها. وهو العلم الذي يهتم بدراسة معالجة المادة على المقياس الذري، والجزيئي، ويهتم بابتكار تقنيات ووسائل جديدة تقاس أبعادها "بالنانومتر" وهو جزء من الألف من الميكرومتر، أي جزء من المليون من الميليمتر. استخدمت هذه التقنية في الكثير من التطبيقات في عدة مجالات مختلفة منها مجال الأغذية مثل : تصنيع الأطعمة، وإنتاجها، وتجهيزها، وتعبئتها، وتغليفها، وحفظها.

تعددت أشكال التغليف النانوية، منها أغلفة عادية تتألف من قوالب من البلومرات، يتم التحكم في أبعاد، ومقاييس مسامها. ولها خواص ميكانيكية ووظيفية تمكنها من منع حدوث تبادل الرطوبة والغازات مع الوسط الخارجي، وتؤثر في عملية توزيع المواد الملونة ومواد النكهة، وتستخدم في تغليف المنتجات الغذائية الطازجة كاللحوم والأجبان والخضر والفاكهة وغيرها، وحفظها حتى بعد فتح العبوة بمعالجة أسطح العبوات الخارجية بطبقة رقيقة شفافة مضادة للأكسدة يقل سمكها عن خمسة نانو متر. وتتميز بكونها عناصر لمواد نانوية آمنة غير سامة، متوافقة حيويا مع الإنسان؛ فلا تلزم إزالتها عند تناول المنتج الغذائي. والمواد الأكثر استخداما (فلز الفضة، وبعض أكاسيد الفلزات مثل ثاني أكسيد التيتانيوم، وثاني أكسيد النحاس، وثاني أكسيد الزنك )، وتتميز حبيبات تلك الأكاسيد بقدرتها على تحليل الملوثات من المواد العضوية، والبكتريا، ومقاومة الميكروبات التي قد تتراكم على الأسطح الخارجية للمنتجات الغذائية خلال فترة الحفظ.

 

 توجد عبوات حافظة أخرى، تستطيع أغلفتها أن تطلق بعض المواد الكيميائية النانوية داخل العبوات، كالمواد المضادة للميكروبات، والأكسدة، والملونات، والمدعمات الغذائية  للأغذية لإطالة فترة الصلاحية، أو تحسين النكهة واللون،  أو القيمة الغذائية. كما تم تطوير عبوات غذائية نانوية يمكنها امتصاص أي نكهات، أو روائح غير مرغوبة تنشأ داخلها، وإنتاج عبوات تستطيع ضخ غازات ثاني أكسيد الكربون، أو الأكسجين إلى خارجها. 

تستخدم التكنولوجيا النانوية لتعزيز سلامة الأغذية بدمج حساسات نانوية، في العبوات الغذائية عبارة عن حبر ذكي يحتوي على جزيئات نانوية حساسة للأكسجين، وشديدة الحساسية للأشعة الضوئية، يتغير لون الحبر عند تعرضه لإحداها. وتُعد الحساسات المكونة من حبيبات نانونية الأحجام من أبسط  وأرخص الأنواع الكاشفة عن حالة المنتج الغذائي المعبأ وسلامته. تستخدم تلك الحساسات البسيطة في اكتشاف أية تغيرات قد تطرأ على الغذاء المحفوظ في الحاويات الخاصة بتبريد الأطعمة، والمواد الغذائية، وكذلك داخل أماكن عرضها ومنافذ البيع، والتوزيع؛ حيث تستشعر المستويات الذكية للتغليف خصائص المنتج. تعتمد فكرة عمل هذه الفئة من الحساسات في اكتشاف وجود الأنشطة البكتيرية، والميكروبية من خلال التغير التدريجي الطارئ، على ألوان حبيباتها، فيستطيع المستهلك العادي تحديد مدى صلاحية المواد الغذائية الموجودة بها، ورصد أي تغيرات غير طبيعية قد تطرأ على الطعام نتيجة الإصابة بملوث بكتيري. يطلق على هذه العبوات"العبوات الذكية"، وهي تقنية تغليف توفر المعلومات للمنتجين والمستهلكين حول حالة المنتج دون تدهور العبوة. ونظرًا لما تتمتع به الحبيبات المُكونة لتك الحساسات بمساحة أسطح كبيرة، فإن هذا يجعل منها مُستشعرات شديدة الحساسية تعمل عند أقل تركيزات بكتيرية أو ميكروبية، مما يزيد من مدد صلاحية المُنتجات الغذائية وبقائها على أرفف منافذ البيع دون تلف. كما توجد "قوارير بلاستيكية" لا تتعرض للتلف أثناء التداول، وتحافظ على السوائل سليمة دون تلف لمدة تصل إلى ثمانية عشر شهرا، بإضافة أنابيب وحبيبات نانوية من الصلصال إليها. 

 كذلك فإن هناك عبوات ورقية تستخدم لتغليف المواد الغذائية، يضاف إليها ثاني أكسيد التيتانيوم، أو الفضة، بصورة متناهية الصغر فيحسن من الخصائص الحاجزية ضد بخار الماء والغازات والروائح. 

حظيت المواد ذات البنية النانوية التي تحتوي على البروتين في تغليف الأطعمة الصالحة للأكل باهتمام كبير في سوق التغليف الحالي؛ فهي تستخدم على نطاق واسع في تغليف الأطعمة الصالحة للأكل لتمتعها بخصائص فيزيائية وكيميائية ممتازة، وتتمتع بالنشاط الحيوي، وتحتوي على مضادات الميكروبات والفطريات. ويتم الاستفادة من المواد ذات البنية النانوية القائمة على البروتين على شكل بلورات وجسيمات نانوية، والتي يمكن تصنيعها باستخدام عدة عمليات تؤدي إلى تحسين ظروف المعالجة بهدف توفير الشكل المستهدف. استخدام أغلفة الطعام التي تحتوي على البروتين لتعبئة المنتجات الغذائية الصلبة والسائلة، يمنع تدهور الغذاء وهجرة المواد المذابة في الأطعمة، ويحسن الخصائص، ويطيل العمر الافتراضي لها. 

 

تأتي أهمية تقنية النانو في تغليف المواد الغذائية الصالحة للأكل؛ كونها تساعد في تقليل هدر الطعام، وتحسين سماته، والحفاظ على المنتجات الغذائية طازجة لفترة أطول، كما أنها صديقة للبيئة، وقابلة للتحول البيولوجي بطبيعتها. وتسهم تقنية النانو بشكل أكبر في استدامة المجتمع لأنها تقلل نفايات تغليف المواد الغذائية. ناقش الكاتب استخدام مختلف الجسيمات النانوية غير العضوية مثل جزيئات الفضة النانوية وثاني أكسيد التيتانيوم، وثاني أكسيد السيليكون، وأكسيد الزنك، وأكاسيد الحديد وغيرها مع المواد ذات الصلة في تغليف المواد الغذائية الصالحة للأكل، ومدى فعاليتها في الوقاية من الأمراض التي تنتقل عن طريق الأغذية. تحتوي هذه المركبات النشطة بيولوجيًا على أنشطة استثنائية مضادة للأكسدة، والالتهابات، والميكروبات، والأورام، ومرض السكر، والتهاب الأعصاب.

أدى تزايد طلبات المستهلكين على منتجات غذائية آمنة وصحية إلى تطوير تقنيات تغليف جديدة من أجل توصيل منتجات غذائية ذات طبيعة عالية الجودة؛ فإن الكائنات الحية الدقيقة التي تنقلها الأغذية هي أحد الأسباب الرئيسة في تلف الأغذية في المنتجات المعبأة والطازجة. لذلك يمكن أن يكون تطبيق عبوات مضادة للميكروبات أحد الحلول لتوفير منتجات غذائية آمنة وعالية الجودة مع فترة تخزين طويلة، وهي عبارة عن فئة من العبوات النشطة، مضادة للميكروبات، ومصممة خصيصًا لتحسين خصائص الطعام. ورغم كل ما تم ذكره من فوائد، فإن هناك جدلا حول درجة الأمان في استخدام المواد النانوية في حفظ الطعام.

أثبت عدد قليل من الدراسات حول تقييم المخاطر المحتملة لآثار المواد النانوية على جسم الإنسان، وأن هناك انتقالا لأيونات الفضة من المركبات النانوية إلى المواد الغذائية، ويزيد انتقالها في المواد الغذائية الحامضية، ومع تعرضها لحرارة أفران المايكروويف. وأوضح الباحثون أن هجرة الأيونات تتحدد من خلال آليتين مختلفتين هما، أولا: انفصال الجسيمات النانوية الفضية عن المركبات تحت تأثير الحرارة، مع ملاحظة أن مستوى هجرة أيونات الفضة كان بدرجة أقل من مستوى هجرة أيونات النحاس النانوي إلى المواد الغذائية، وثانيا: من خلال عمليات الانحلال التأكسدي لأيونات الفضة. ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات حول السمية لضمان التنمية الآمنة للتكنولوجيا النانوية في صناعة تغليف الأغذية، وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن الجسيمات النانوية قد تسببت في موت بعض القوارض.

أثبتت بعض الدراسات أن هناك مخاطر من استنشاق المواد النانوية (مثل الجسيمات النانوية، والكرات النانوية، وأنابيب الكربون النانوية) مما يؤدي إلى سريان هذه المواد داخل الجسم، ومن ثم وصولها إلى المخ. لذا؛ لابد للعاملين في تقنية النانو أن يتلتزموا بالحذر، وبالاحتياطات اللازمة لتفادي استنشاق المواد النانوية على جميع أنواعها، أو ملامستها لجلد الإنسان. تستطيع جزئيات النانو تكنولوجي اختراق الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان من خلال البشرة، والاستنشاق، أو البلع، ويسمح الحجم الصغير لتلك المواد لها بالمرور من خلال أغشية الخلايا، والحواجز البيولوجية الأخرى؛ مما يسمح لهذه الجزئيات أن تخترق الكائنات الحية بسهولة وتسبب الخلل.  ومن أخطر جزئيات النانو البيولوجية أثرا أنواع الأكسجين التفاعلية، وأشعة الأنيون، وأشعة الهيدروكسيل، وبيروكسيد الأكسجين، والهيدروجين. إن الإفراط في التعرض لتلك المواد يمكن أن يسبب أكسدة  تؤدي إلى فشل الخلايا في الحفاظ على الوظائف الفسيولوجية الطبيعية، وموت الخلايا المبرمجة، وإنتاج الخلايا السرطانية، والأمراض المزمنة المرتبطة بالعمر مثل مرض التصلب، والتهاب المفاصل، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والزهايمر، والسكري، والسرطان.

 

لم يعد الحصول على المواد الغذائية من الأمور اليسيرة في معظم دول العالم خاصة الدول النامية؛ بسبب تدهور الطبيعة، والهجوم الميكروبي، والعوامل البيئية السيئة. لذلك من المهم أن يتم توجيه الجهود لتخزين الأطعمة لتوفرها في المستقبل، مع تقليل خسائر ما بعد الحصاد إلى أدنى حد،  ونقلها بأمان مع الحفاظ على جودتها للمستهلك النهائي؛  لتقديم جودة محسنة للحياة تساعد بشكل أكبر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا؛ فإن إيجاد الوسائل المناسبة للمحافظة على المواد الغذائية في صورة صالحة للاستهلاك لأطول فترة ممكنة صار من أهم الأمور التي تشغل الباحثين. لقد أثبتت فوائد تقنية النانو فعاليتها في حفظ الأطعمة الغذائية، لكنها تواجه بعض التحديات مثل التكلفة العالية، وقبول المستهلك، والحاجة إلى التغلب عليها لصنع منتجات أكثر قابلية للتطبيق صناعيًا. 

 قد تكون جزئيات النانو تكنولوجي مفيدة جدا في حفظ الطعام لما فيها من خصائص فريدة من نوعها مثل ارتفاع نسبة السطح إلى الحجم، والتفاعل، والحجم المجهري، لكن لا يمكننا تجاهل الاتجاهات المستقبلية للدراسات التي أشارت إلى إمكانية هجرة المواد النانوية إلى المواد الغذائية؛ فيمكن أن يكون لهذه الخصائص التي تحقق فوائد صحية في حفظ الأطعمة تأثيرات سامة. مازالت هناك حاجة إلى مزيد من البحث والتطوير العلمي لتقييم تطبيقات تكنولوجيا النانو في الغذاء، والمنتجات الزراعية من أجل إدارة الآثار السلبية المحتملة، وحتى نكون على ثقة من أن إضافة أي عنصر غريب من الجزيئات النانوية آمن، ولا يشكل خطورة على حياة الإنسان.

 

تفاصيل الكتاب:

عنوان الكتاب: تقنية النانو في تغليف الأطعمة الصالحة للأكل: ممارسات حفظ الأغذية من أجل مستقبل مستدام

تأليف: فيمال كاتيار وتابلي جوش 

الناشر: Springer Verlag

عدد الصفحات: 452

الطبعة: الأولى 2021.

اللغة: الإنجليزية

أخبار ذات صلة