الوصول إلى عمق حفرة الأرنب: رحلات غير عادية إلى الدماغ البشري

الوصول إلى عمق حفرة الأرنب.jpg

ألان روبر وبراين بوريل

طلال اليزيدي

في الآونة الأخيرة أصبح الدماغ ذو اللون الرمادي الغامض محط اهتمام العديد من المفكرين. قد تبدو هذه ملاحظة غريبة، نظرًا لأن الدماغ كان دائمًا في مركز العديد من مؤلفات وأبحاث المفكرين. لكن يبدو أن هناك اهتمامًا شعبيًا متزايدًا بالدماغ والأشياء العصبية هذه الأيام. علم الأعصاب في السنوات الأخيرة فرض حصارًا على العلوم الإنسانية حيث كان على الفلسفة والتخصصات الإنسانية الأخرى التأقلم ومواجهة الحقائق الجديدة المتصاعدة لدور الدماغ من علم الأعصاب. فالتصوير المقطعي المحوسب للدماغ غير المقروء للمشاهد العام يعتبر شرطًا لا غنى عنه للمصداقية العلمية لجميع التشخيصات والعلاجات النفسية. 

 

"الوصول إلى عمق حفرة الأرنب"، بقلم الدكتور ألان روبير Allan Ropper وبراين بوريل Brian Burrell، يعد جزءًا كبيرًا من الاهتمام الفكري الأخير بالدماغ البشري. روبير طبيب أعصاب مُتميز في كلية الطب بجامعة هارفارد لديه العديد من الحكايات الرائعة ليرويها من جناح الأعصاب بمستشفى الجامعة. في الجانب الآخر بوريل محاضر أول في الرياضيات بجامعة ماساتشوستس قام بالتدريس في جامعة ماساتشوستس لمدة 25 عامًا. يقوم بدور رجل النثر في الكتاب يحول قصص روبير المهنية إلى عظات قصيرة ذات مغزى عصبي ووجودي. 

ما أنتجه بوريل وروبير في كتابهما هو صورة لطبيب أعصاب ومعلم موهوب للغاية، دائمًا ما يكونان أذكى الرجال في الغرفة. تنتهي كل حكاية تقريبًا بظهور روبير كبطل اللحظة. الكتاب مكتوب بعناية شديدة بحيث يمكن التباهي به بصراحة، لكنه ليس بالضبط مقالا في التواضع المهني. بمعنى آخر، الكتاب يمثل حجة طويلة في وجهة نظر روبير على أولوية التشخيص بالطريقة القديمة بطريقة استجواب المريض على التشخيص بالتكنولوجيا الحديثة في طب الأعصاب. لكن المفارقة المركزية التي يتصارع معها روبير في وجهة النظر هذه هو أن نفس الدماغ الذي يستخدمه المريض في الاستجواب والتشخيص غالبًا ما يكون ضعيفا وغير موثوق.

قد يُغفر غزو كائن فضائي إلى مستشفى في العصر الحديث لاعتقاده أنها مؤسسة تدار من قبل الآلات.  في خضم المقاطع الصوتية لأزيز وصفير المعدات الطبية، الأطباء المحرومون من النوم يدخلون ويخرجون من غرف الفحص، يسألون المرضى سلسلة من الأسئلة القياسية، ويقومون ببعض من النقرات على جهاز الحاسوب لطلب فحص الدم أو تصوير الصدر بالأشعة السينية أو توصيف مسكنات الألم. ثم يخرجون من الباب ليكرروا البروتوكول مع العدد الكبير من المرضى الآخرين تحت مراقبتهم. عندما تنتهي فترة مناوبتهم، بعد حوالي 12 أو 18 أو في بعض الأحيان 28 ساعة، يتم استبدال هؤلاء الأطباء المُرْتدِين ملابسَ زرقاء بآخرين، في تلك الأثناء أجهزة الحاسوب تسهل عملية انتقال المناوبة. 

لا شك أن النهج المتحور حول التكنولوجيا في الطب له فوائده، فتمنح آلات التصوير والفحص الجيني الأطباء أدلة بيولوجية مخفية عن الأطباء. يمكن لأجهزة الحاسوب الطبية أن تجعل المستشفيات أكثر كفاءة، وتمنع الأخطاء الطبية التي من الممكن ارتكابها. لكن ممارسة الطب لا يمكن اختزالها في الخوارزميات والبكسلات والبروتوكولات، كما يجادل طبيب الأعصاب الدكتور ألان روبير بمهارة في كتابه الترفيهي "الوصول إلى عمق حفرة الأرنب". جملة الوصول إلى عمق حفرة الأرنب هو مثل شائع في اللغة الإنجليزية للدلالة على الوصول إلى السبب الرئيسي لمشكلة ما. بالنسبة للدكتور روبير، الطب حرفة وفن يعتمد على التفاعل البشري بين الطبيب والمريض. يعرض الكتاب حالات طبية غامضة من مستشفى بريغهام العملاق في بوسطن.  يحتوي الطابق العاشر على جناح مرضى أمراض الأعصاب، وهو مكان، كما قال الدكتور روبير وشريكه في التأليف، بريان ديفيد بوريل، "يتم إرسال الحالات الأكثر غرابة والأكثر صعوبة ليتم حلها". الدكتور روبير يحاول الوصول إلى المسببات الأساسية ليتمكن من علاج هذه الحالات، فهو بذلك يطبق المثل الشائع "الوصول إلى عمق حفرة الأرنب".  

 

هناك عدد من الطرق التي يمكن أن يتأثر بها الدماغ ويبدو أن روبير قد واجهها جميعًا في مهنته: التهاب السحايا، والنزيف في المنطقة تحت العنكبوتية، والانسداد، والأورام، والأورام الدبقية، والنوبات، والشلل النصفي، وبالطبع هنالك العديد من الكوارث التي تختبئ وراء المصطلح المبتذل السكتة الدماغية. وفقًا لروبير، الدول الاسكندنافية لديها أدنى معدلات الإصابة بالسكتة الدماغية في العالم، في حين أن الشعب الياباني الذي يعتقد الجميع أنهم الأصحاء من بين جميع الشعوب، لديهم أعلى معدلات الإصابة بالسكتات الدماغية. ليس من الأكيد إذا ما كانت الإحصائيات هذه التي ذكرها روبير محدثة، ولكن على أي حال، هذا ليس كتابًا للمرضى أو أي شخص يشعر بالقلق من الصعوبة في تذكر بعض من أسماء نجوم السينما. بل كتاب يثير بعض المخاوف، بوعي أو بغير وعي، عن الأعراض المترتبة من فقدان الدور الرئيسي للدماغ الذي عرَّفه روبير بانقلاب مفاجئ ووحشي للحياة الطبيعية.

مرارًا وتكرارًا في ثنايا الكتاب غالبًا من دون سابق إنذار، شخصيات ذات أوصاف نمطية غير طبيعية يظهرون بأعراض غريبة في مواقف اعتيادية. ذكر روبير في الكتاب قصة فينسنت على سبيل المثال، وهو في الأصل رجل غاضب في منتصف العمر أصبح فجأة مبتسمًا ولطيفًا ويقذف ثرثرة بعد كل مباراة للبيسبول.  بناءً على فحوصات دماغه يشير العديد من الأطباء الجُدُد إلى أن الجاني هو ورم أو ربما سكتة دماغية.  لكن الدكتور روبير لم يكن مقتنعا. تحدث إلى زوجة فينسنت واكتشف أن مشاكل زوجها بدأت بالصداع والحمى. اكتشف بعدها روبير أن عدوى الهربس تفسر الأعراض الرئيسية التي مر بها فينسنت. وبالتأكيد، بعد تناول دواء مضاد للفيروسات، سرعان ما عاد فينسنت إلى نفسه الغاضبة السريعة الانفعال.

يذكر روبير في كتابه الحالات المتناقضة للمرضى جوردن ووالتر، وهما رجلان كبيران في السن يعيشان في حالة ضبابية من الارتباك.  يؤكد الدكتور روبير أن الطريقة الوحيدة لفهم الدماغ التالف هي إشراك "الدماغ بمحادثة منهجية". بعد استجواب منهجي، تعلم روبير أن عقل جوردن مختلط.  فعندما سأله عن مكان إقامته أجاب جوردن بعبارات لا معنى لها حول الكلاب القادرة على الكلام وأفضل أيامه. هذا النوع من الارتباك في الإجابة ليس له منطق وقد يؤدي إلى سوء التشخيص.  في المقابل يتجول عقل والتر بعيدًا عن واقعنا، فعلى سبيل المثال يعتقد أن الدكتور روبير سجل هدف الفوز بجامعة بوسطن في عام 1962. فذهن والتر يؤمن بواقعة الخاص بقواعد متسقة، والخبر السار أنه يمكن عكس ذهن والتر نحو التفكير السليم. 

 

في ثنايا الكتاب غالبًا ما تكون نبرة الدكتور روبير مضحكة، وفي جوانب أخرى تكون مؤلمة.  يتضمن الكتاب مجموعة من حالات الهستيريا، ربما لأنه أحد أكثر الحالات شيوعًا التي يتعامل معها طبيب الأعصاب.  يذكر روبير قصة المراهقة التي تتظاهر بأنها كفيفة، وامرأة أخرى تنوي إعطاء ابنتها الصغيرة مسكنات للألم رغم أنها لا تعاني من أي ألم. تعامل روبير أيضًا مع حالات "هراء" مثل اقتناع زوجين بأن المنافذ الكهربائية تجعل أجسادهما ترن. يبدو أن الدكتور روبير لديه القليل من الصبر مع هذا النوع من المرضى. ذكر روبير في الكتاب أنه أخبر الزوجين بأنهما قد يكونان ممغنطين، واقترح عليهم أن يطفوا في حمام السباحة الخاص بهما لمعرفة ما إذا كانا يتجهان إلى الشمال مثل إبرة البوصلة الممغنطة. أوضح روبير أن ما يجعل التشخيص صعبًا بشكل خاص هو أن المشكلة في بعض الأحيان تكون نفسية وليست عصبية؛ فيمكن للعقل أن يقنع الدماغ بأن يعاني كل شيء من الشلل إلى العمى. يذكر روبير قصة مع طبيب أعصاب مخضرم نصحه مازحاً بتلويح ورقة نقدية بقيمة 100 دولار أمام أي شخص تظهر عليه علامات العمى الهستيري، فعيونهم ستبدأ بتتبعها على الرغم من اقتناعهم بأنهم مصابون بالعمى. هذه الممارسة واحدة من العادات الطبية التي لا حصر لها والمثيرة للاهتمام التي جمعها روبير وبوريل في سلسلة تحت عنوان فرعي سمي بدقة "الرحلات غير العادية إلى الدماغ البشري".

الدكتور روبير في سرده يكون في نفس الوقت مغرورا بشكل لا يطاق ومزعجا بشكل ساحر. فعندما يكون الجناح الطبي للأمراض العقلية في المكان الذي يعمل فيه الدكتور روبير غير مزدحم، يشجع الدكتور روبير الأطباء المقيمين على الخروج إلى الرصيف وجمع الحالات المثيرة للاهتمام على سبيل المثال "أي شخص لا يستطيع المشي بشكل مستقيم". يمزح الدكتور روبير بعجرفة في كتابه عن وجود شكوك حول الصحة العقلية لطبيبة مقيمة بسبب أطقمها وبناطيلها "الغريبة بلا داع". يمزح أيضاً حول دكتور مقيم آخر يستخدم ألفاظًا عامية في مكان عمله على أنه سيتأقلم أكثر لو كان في أحد شوارع لوس أنجليس. 

على الرغم من ذلك، من الصعب ألا تحب طبيبًا تكون مهنته وتوجهه الأول هو التحدث إلى المرضى. يتتبع أفكارهم كالمطاردة في جحر أرنب حتى وإن كان الظلام مخيفًا.  يذكر روبير قصص بعض الشخصيات التي ساعدها كالمرأة المصابة بمرض باركنسون وتعاني من تقلبات مزاجية حادة وتهلوس برؤية كلاب الملكة إليزابيث في موقد مدخنة المنزل. وقصة امرأة أخرى، في المراحل الأخيرة من مرض العصبون الحركي، وعندما تنظر إلى لوح زجاجي تهلوس بقراءة حروف مكتوبة على الزجاج. منذ أكثر من 20 عامًا، ساعد الدكتور روبير أيضًا الممثل الأمريكي الكندي مايكل فوكس في تخصيص أدوية باركنسون له لتهدئته من الهزات عندما كانت الكاميرا قيد التشغيل.  

 

بالنسبة للمرضى الذين يعانون من حالات مزرية، فإن الدكتور روبير ليس إلا مديرا للمرض، ولا يملك أداة سحرية تمكنه من شفاء المرضى. وهنا تأتي المسافة العاطفية بين الدكتور روبير والمريض يشرح قائلاً: "طالما بقي خوفي مخفيًا، يمكنني أن أحشد درجة من الهدوء والصبر التي تسمح لي بالبقاء بجانب السرير وأن أكون فعالاً." لو كان هذا الكتاب نتاج كُتَّاب آخرين أقل شأنا من روبير وبوريل، لربما لم يكن غير مجموعة من الحكايات الملونة حول الطرق العديدة التي يمكن أن ينهار بها دماغ الإنسان. لكن الدكتور روبير والسيد بوريل تمكنا من سرد قصة أكثر عمقًا حول قيمة شخص الطبيب على الآلات الطبي في التشخيص والعلاج.  الأطباء ليسوا دائمًا متواضعين أو متعاطفين أو مهذبين، وهم بالتأكيد ليسوا معصومين من الخطأ، لكن لدى الطبيب شيء ما لن تستطيع الآلة إبداله أبدًا: "العقل البشري".

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: الوصول إلى عمق حفرة الأرنب: رحلات غير عادية إلى الدماغ البشري 

الكاتب: ألان روبر وبراين بوريل

لغة النشر: الإنجليزية

الناشر: Atlantic Books

عدد الصفحات: ٢٧٢ 

سنة النشر: ٢٠٢٢