المقامرة على التنمية: لماذا تفوز بعض البلدان وتخسر بلدان أخرى

المقامرة على التنمية.jpg

ستيفان ديركون

محمد السالمي

لقد شهد العالم النامي تحولات هائلة خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث صاحبها انخفاض في معدل الفقر، وارتفاع المستوى الصحي والتعليم للأفراد. ومع ذلك، فقد فشل العديد من الدول في التقاط محاسن هذه الموجة. وللإجابة عن هذه المفارقة في ازدهار بعض الدول النامية وفشل البعض الآخر؛ يأتي ستيفان ديركون في كتابه "المقامرة على التنمية"  لمناقشة هذا المحور مستندا على أبحاثه الأكاديمية فضلا عن خبرته السياسية والاستشارية لكثير من الدول خلال العقود الماضية. ويشير ديركون أن نجاح الدول لا يكمن في القرارات أو السياسات المتخذة لرفع الناتج الإجمالي، بل يتمحور في مصطلح "الصفقة التنموية"، حيث تتحول النخب في أي بلد من حماية مواقعها إلى المقامرة على مستقبل قائم على النمو. وعلى الرغم من العيوب التي قد تصاحب مثل هذه الصفقات، فإن الصين تعد من بين قصص النجاح الأكثر لفتا للنظر، إلى جانب إندونيسيا وبنغلاديش وإثيوبيا. وبالمجمل، يدور الحديث في هذا الكتاب حول كيف ولماذا حدثت التنمية في هذه البقعة وليس في مكان آخر، وما هي الإخفاقات، والنجاحات المرتبطة بتجارب الدول.

 

وللتعريف بالمؤلف، فستيفان ديركون هو أستاذ السياسة الاقتصادية ومدير مركز دراسة الاقتصاديات الأفريقية في جامعة أكسفورد. وقد شغل منصب كبير الاقتصاديين في وزارة التنمية الدولية، وهي الإدارة الحكومية المسؤولة عن سياسة المساعدات والإنفاق في المملكة المتحدة. ومنذ عام 2020، عُيّن مستشارا لوزراء الخارجية المتعاقبين في المملكة المتحدة. تتمحور اهتماماته البحثية حول فشل الأسواق والحكومات خاصة في أفريقيا، وكيفية تحقيق التغيير.

لا يتعلق الكتاب بالمساعدات ولكنه مناقشة لطبيعة "صفقة النخبة" في الدول النامية، وكيف تتطور بعض هذه الصفقات إلى "صفقات تنموية" تؤدي إلى نهضة اقتصادية وتنموية كبيرة. بالنسبة لديركون، يتعلق الأمر بكيفية تقسيم النخب للسلطة وغنائم الحكم، وتنتقل هذه الصفقة إلى رؤية طويلة الأجل، ويخضع الجميع للمؤسسات وسيادة القانون واحتياجات الاقتصاد بشكل شمولي بدلا من مجرد الاستيلاء على ما في وسعهم.

يشير ديركون إلى وجود لغط واسع داخل المجتمع الأكاديمي لتوصيف الدول النامية. فلو بدأنا بالنظر في مستويات المعيشة، أو مستوى الصحة، أو التعليم أو غيرها من إحصاءات، وربطها بالممارسات الفعلية فهناك خلل بالتفسير. هناك فجوة كبيرة بين الروايات المتعلقة بتحديات التنمية وحلولها والممارسة الفعلية للتنمية التي أدت إلى التقدم على أرض الواقع. وبالتالي، الكثير من النصائح غير المدروسة والمساعدات الدولية يجري تقديمها من قبل الأوساط الأكاديمية والمنظمات الدولية المعنية بالتنمية دون وعي بهذه الفجوة.  

كما أن هناك حاجة إلى فهم أفضل للسبب الذي دفع بعض البلدان إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية مهمة، في حين أن بلداناً أخرى لم تفعل ذلك أبدا، على الرغم من أنها كثيرا ما تدعي أنها ستفعل ذلك كجزء من الترتيبات مع الممولين الدوليين. وعلى الرغم من أن كِلْتَيْ المجموعتين من البلدان اعتمدتا نفس الخطاب، فإن البلدان الأقل نجاحا لا يبدو أنها تتخذ إجراءات تتسق مع النمو والتنمية. وسيكون من السذاجة الإشارة إلى أن هذه الدول وقادتها ببساطة لا يعرفون ماذا يفعلون حيث لم تكن مجرد مسألة جهل أو نقص في المشورة الجيدة. إن فهم سبب اتباع الخطاب بأفعال في بعض المواضع وليس في مواضع  أخرى هو محور فهم كيفية عمل التنمية.

يتطلب لتحقيق النمو والتنمية بشكل ناجح وجود صفقة تؤدي نحو التزام أساسي بالنمو والتنمية من قبل أعضاء النخبة (أي الأشخاص داخل نسيج المجتمع أو  الاقتصاد أو السياسة الذين يتخذون القرارات أو يمكنهم التأثير على واقع البلد). ولنجاح هذه الوصفة؛ يرى ديركون أهمية استيفاء عدة عوامل منها التفاهمات بين النخب لإحلال السلام والاستقرار، فالصراع وعدم الاستقرار يقصران الآفاق في عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي.

 

والعامل الثاني يتمثل في حالة النضج والتعقل لدى النخب؛ فهناك العديد من الناس الذين يدعون أن الدولة لا تلعب دورا في استغلال إمكانيتها، ولكن هناك اختلافات كبيرة في مقدار ما تتحمله الدولة وفي السعي لتحقيق التنمية. ولذلك يتطلب النجاح إيجاد توازن بين ما يجب على الدولة القيام به وما يمكنها القيام به.

أما العامل الثالث، فهو القدرة على التعلم من الأخطاء وتصحيح المسار. لا توجد وصفة لإيجاد الطريقة الصحيحة لتعزيز النمو والحفاظ عليه، فالنجاح ليس مضمونا، وسوف ترتكب الأخطاء، وسوف تتآكل الثقة في القادة في بعض الأحيان. قد يتعرض الاستقرار للتهديد لأن بعض النُّخَب يكسبون أقل أو حتى يخسرون. فإن إيجاد طرق لتصحيح المسار أمر ضروري للنجاح، الأمر الذي سيعتمد على آليات لمحاسبة أولئك المكلفين بتنفيذ الصفقة وهنا تكمن المقامرة.

إن مفهوم  صفقة التنمية ليست مجرد إعادة صياغة  للقوانين، أو التفاهمات التي تقيد السلوك الاقتصادي أو السياسي أو اختزالها بوجود مؤسسات قوية؛ حيث يوضح ديركون أن العديد من قصص النجاح الموصوفة في الكتاب لا تمتلك بالضرورة مؤسسات قوية في وقت الإقلاع. حققت العديد من  الدول أهدافها الإنمائية، وتمثلت في الاستثمار في البنية التحتية وفي الصحة والتعليم، وأدارت مواردها الطبيعية بحكمة، ووفرت بيئة استثمارية معقولة لنمو القطاع الخاص، وغيرها من الإصلاحات. يتطرق الكاتب للنموذج الصيني، فعلى الرغم  من حجم تاريخ الصين الممتد على مدى ألفي عام كدولة مركزية، ومع آلياتها البيروقراطية المجهزة جيدا والضرائب المركزية، إلا أنها حققت طفرتها في الثمانينيات فصاعدا فقط. وبالنظر بشكل أدق للصين، بعد العصرين القومي والماوي في نصف القرن السابق، بالكاد كانت لديها مؤسسات قوية لتحقيق ذلك النوع من الطفرة الاقتصادية الذي حققته بعد عام 1979م. ولا ريب أن تتمتع النخبة السياسية والاقتصادية بسلطة أكبر بكثير مما يسمح به عادة النهج التاريخي للمؤسسات. فخلال هذه الفترة، راهنت النخب على شرعيتها السياسية كدولة حزب واحد على توفير ظروف معيشية أفضل لمواطنيها من خلال النمو والتنمية. هذا الرهان كان من الممكن أن يأتي بنتائج عكسية، سواء اقتصاديا أو سياسيا.

ويستنتج الكاتب أن صفقة التنمية ليست سوى صفقة نخبوية مستقرة نحو الوصول إلى موارد الدولة وتوزيعها بهدف السعي إلى تحقيق النمو والتنمية. ولكن كيفية الحصول على هذا الإجماع، أو هذه الصفقة، أو كيفية استدامتها تتجلى في أشكال مختلفة من بلد إلى آخر ومن فترة إلى أخرى. ويؤكد ديركون أن الشيء الوحيد الظاهر هو عندما يتحرك أولئك في النخبة السياسية والاقتصادية نحو النمو والتنمية في الأمد الأبعد، فإنهم يراهنون على صفقة قد لا تؤتي ثمارها، وتميل إلى المقامرة بأن ضبط النفس وانخفاض المكاسب في الأمد القريب قد يؤتي ثماره في وقت لاحق، ومن المحتم أن تتأثر المصالح الخاصة. 

 

يختتم ديركون في كتابه أن صفقة التنمية لا تتكون ببساطة من أهداف أو غايات إنمائية محددة، بل إنها أكثر من ذلك بكثير. وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي يرسمها الكتاب لتجربة بعض البلدان، إلا أن ديركون ما زال متفائلا تجاهها. فقد تحسنت العديد من البلدان بشكل كبير والتي بدت وكأنها مهمشة قبل بضعة عقود فقط، وحتى وإن لم تصل بعد إلى مستويات المعيشة التي يستحقها الناس؛ فحياة العديد من الناس أفضل الآن مما كنا نعتقد أنهم سيكونون عليه. ومن الأفضل للقادة السياسيين والاقتصاديين والمثقفين والمواطنين أن يتعلموا الدروس من هذه النجاحات وأن يجرؤوا على المقامرة بالتنمية.

كما يشدد المؤلف على ضرورة الاعتراف بالحوافز الرئيسية للنخب للتعاون من أجل بناء استراتيجية أكثر فعالية للمساعدة الإنمائية. وتشمل هذه الحوافز في حاجة النخب إلى الشرعية داخل دولها، والتي يمكن الوفاء بها من خلال التنمية والاستقرار الاقتصادي وحل النزاعات. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين على الدول المتقدمة والتي تعمل على تعزيز مستوى مساعدتها الإنمائية أن تساوم النخبة وتدعم نمو الناتج من خلال تحسين التوزيع والذي بدوره سيسهم في التعامل مع عدم المساواة القائم داخل العالم النامي. إن الحد من عدم المساواة يُمَكِّن الأشخاص الذين يعيشون في الفقر من تحسين نوعية حياتهم ويحمي الحركات الاجتماعية والناشطين والمنظمات غير الحكومية من أن يتم استمالتهم من قبل أصحاب السلطة. ومع ذلك، فإن هذا لا يشير إلى أن الأنظمة الديمقراطية أكثر صعوبة في العمل بفعالية من الأنظمة الاستبدادية. ووفقا لديركون، فإن هيكل المساءلة في نظام الحوكمة هو عامل حاسم في دفع عجلة التغيير. وعلى النقيض من الديمقراطيات، التي تركز أكثر على المساءلة الخارجية، طورت الدول الاستبدادية مثل الصين أنظمة مساءلة داخلية شاملة. ويمكن أن يؤدي كلا المسارين إلى التنمية، ولكن يبدو أن المسار الأول هو الأكثر كفاءة ومرغوبا فيه لأسباب أخرى عديدة، مثل حماية حقوق الإنسان. ويستنتج ديركون أنه ينبغي على الدول المتقدمة أن تحاول بذل المزيد من الجهود لجعل التنمية تحدث بالمعنى العملي بمزيد من التواضع؛ فوصفات ولوائح التطوير مفيدة ولكنها غير كافية عند إعداد الطبق. 

 

هذا الكتاب، مليء بالرؤى والحكايات ويعد من أهم الكتب حول التنمية الدولية.  لطالما يطرح السؤال في الأوساط العلمية، لماذا هناك تباين مستمر في نتائج التنمية في جميع أنحاء العالم؟ كان التركيز يتمحور حول السياسات والقوانين، ولكن هذا الكتاب الثاقب يقترح أن نركز بدلا من ذلك على الصفقات الضمنية بين النخب السياسية وريادة الأعمال؛ فرسالة ديركون هي واقعية حيث لا يوجد حل سحري للتنمية، ولكن أي نجاح يجب أن يستند إلى أساس صفقة بين النخب، التي تلتزم بالتنمية وترغب في التعلم. حاز الكتاب على إعجاب النقاد وصنف في قائمة الفايننشال تايمز لهذا العام.

 

تفاصيل الكتاب:

اسم الكتاب: المقامرة على التنمية: لماذا تفوز بعض البلدان وتخسر بلدان أخرى

المؤلف: ستيفان ديركون 

الناشر: Hurst

سنة النشر: 2022 

عدد الصفحات: 360 

اللغة: الإنجليزية

أخبار ذات صلة