بين نهاية الشهر ونهاية العالم: مسؤوليتنا الاقتصادية تجاه الإنسانية

بين نهاية الشهر.jpg

كريستيان غولييه

سعيد بوكرامي

لا مناص للأجيال القادمة من مُواجهة مخاطر تغير المناخ، وستتوقف مشقتها على التضحيات التي يقدمها الإنسان لمواجهة مسؤوليته الأساسية وهي المحافظة على استمرارية الحياة على هذا الكوكب الفريد من نوعه.

 حان الوقت للقيام بعدد لا يحصى من الإجراءات المناخية، ما هي هذه الإجراءات التي يجب تنفيذها بشكل عقلاني، وبأي تكلفة كانت، وبأي صعوبة ممكنة، ومتى يجب تنفيذ ذلك؟ إذا كان من البديهي أن نفضل الآن مواجهة الصعوبات الاقتصادية حتى "نهاية الشهر"، فإلى أي مدى ينبغي أن نذهب في تعزيز النظر في الآثار طويلة المدى لجهودنا من أجل استدامتها؟ إلى أي مدى يجب أن نذهب في اعتمادنا على النمو الاقتصادي والعلمي لحل مشاكلنا التراكمية؟ يطرح المفكر الاقتصادي المتخصص والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2007 كريستيان غولييه أسئلته في تقديمه للدرس الافتتاحي في كوليج دو فرانس المرموق عام 2021 قائلا: "سأسعى في هذه الجلسة الافتتاحية للإجابة على هذه الأسئلة من خلال مناقشة وسيلتين عمليتين تحددان الإجراءات المناخية التي قد تنفذ أو لن تنفذ، وهما: معدل الخصم والقيمة المخصصة مقابل الكربون".

 

يعتبر كتاب "بين نهاية الشهر ونهاية العالم" الدرس الافتتاحي الذي قدمه كريستيان غولييه عندما تولى كرسي الأستاذية لدرس "المستقبل المشترك والمستدام" في كوليج دو فرانس في ديسمبر 2021. بالنسبة للأساتذة الجدد، تمثل هذه الدروس الافتتاحية فرصة لتقديم خصائص تفكيرهم مقارنة بأفكار أسلافهم بالإضافة إلى وضع تشخيص للمعرفة الحالية حول موضوع محاضراتهم. ونعلم أن كريستيان غولييه خبير اقتصادي متخصص في اقتصاديات المخاطر ومتغيرات البيئة. وكان أحد مؤسسي مدرسة تولوز للاقتصاد، التي أدارها منذ عام 2009. بالإضافة إلى أنشطته البحثية والتأليفية، كما شارك في صياغة التقريرين الرابع والخامس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. 

يقر المؤلف أن حتمية تغير المناخ تُلزم البشرية حاليًّا بتحمل مسؤوليات معينة تجاه الأجيال القادمة، بما في ذلك تنفيذ إجراءات حاسمة للحد من امتداد التغيير. ومع ذلك، فإن الإرادة لحماية البيئة تواجه حدودًا معينة: من جهة، فإن جزءًا كبيرًا من السكان منشغل قطعا بالحاجة الأكثر إلحاحًا للبقاء على قيد الحياة وهي بلوغ "نهاية الشهر"؛ من جهة أخرى، فإن الجهود التي يبذلها الأفراد اليوم (تقليص استهلاك السلع والطاقة) لن تثمر إلا في المستقبل، وبالتالي فستكون لصالح الأجيال القادمة (ص 13). لذلك يرغب كريستيان غولييه في التوفيق بين مكافحة تغير المناخ والاحتياجات الاقتصادية المفروضة علينا اليوم وإيجاد طريقة لمواءمة المصالح الفردية مع الصالح العام. الهدف من الدرس هو تعبئة "أسلوب عملي للتقييم يجعل من الممكن الحكم على كل عمل من حيث مساهمته في الصالح العام" (ص 11). يعتبر المؤلف أن ضريبة الكربون المنفردة، أي المقاربة التي تتمثل في "فرض على أي شخص أو أي شركة أن تدفع قيمة الكربون عن كل أطنان ثاني أكسيد الكربون المنبعثة" (الصفحة 30)، هذا الإجراء سيحقق أكبر الفوائد كما أن معظم مظان الكتاب خصصت له.

ينقسم الدرس إلى مرحلتين رئيسيتين: أولاً، يقوم الخبير الاقتصادي بإلقاء نظرة عامة على الأدوات المختلفة لمكافحة تغير المناخ (توربينات الرياح، وتركيب الألواح الفولتية على الأسطح، وغير ذلك من التكنولوجيا البديلة) ؛ ثانيًا، يحشد بعض النظريات الاقتصادية من أجل تقدير القيمة الذي يجب أن تحدد عندها ضريبة الكربون. وبينما يوجد اليوم إجماع على تغير المناخ إذ صار حقيقة لا مناص منها، فإن طريقة التدخل لمحاربته لا تزال موضع نقاش وشك (ص 12). لا أحد يريد توربينات الرياح على أرضه، والوقود الحيوي مرفوض لأنه يثري الأعمال التجارية الزراعية، وتسعى الدول للتخلص من الطاقة النووية لأنها تنتج نفايات مشعة. بالنسبة لكريستيان غولييه، "لا يمكن أن يؤدي حشد المعارضات إلا إلى الجمود" (ص 12). بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم الإجراءات المتخذة اليوم لمكافحة تغير المناخ مثل (القرض البيئي بمعدل صفر، والائتمان الضريبي لانتقال الطاقة، وشهادة توفير الطاقة) تشكل تكلفة عالية، حيث تبلغ حوالي 350 يورو لكل طن من الكربون استبعد انبعاثه، والتي تدفع بشكل غير مباشر في فرنسا (ص 17).

يسوق المؤلف مثال تكلفة الدعم الذي تقدمه الدولة الفرنسية لتركيب الألواح الشمسية، و يبلغ 1350 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون مُنع انبعاثه. تزيد هذه النفقات الإضافية من فواتير الكهرباء على جميع الفرنسيين بسبب المساهمة في خدمة الكهرباء العامة (ص 16). كما أن تكلفة استبدال السيارة الوقودية بسيارة كهربائية تصل إلى 300 يورو للطن من الكربون المستبعد. على سبيل المقارنة، إن استبدال غلاية تعمل بالزيت بمضخة حرارية أو تقليل الحد الأقصى للسرعة على الطريق من 90 إلى 80 كم / في الساعة فإن كليهما يكلف 50 يورو لكل طن من الكربون المستبعد. لهذا السبب يدعو كريستيان غولييه إلى الحكم على فعالية أي سياسة مناخية وفقًا لتكلفتها حسب كل طن من الكربون الذي يمكن تجنبه؛ ولذلك فهو يقترح إعادة النظر في تقييم "قيمة الكربون" ورفض الإجراءات بشكل منهجي بتكلفة أعلى من ذلك (ص 22).

 

يعتبر المؤلف أن إنشاء ضريبة الكربون هي الطريقة الأكثر فاعلية للحفاظ على البيئة: من خلال جعل الملوثين يدفعون مباشرة مقابل ثاني أكسيد الكربون الذي يبعثونه، فإن التغيير في الممارسة يجعل من الممكن تقليل انبعاثات الغاز إلى ظاهرة الاحتباس الحراري الذي سيصبح أكثر فائدة، مما يجعل من الممكن مواءمة المصالح الفردية مع المصلحة العامة. وهذا من شأنه أيضًا أن يجعل الاستثمار في تطوير التقنيات الخضراء اللازمة للانتقال الطاقي أكثر نجاعة ومردودية. إن إنشاء ضريبة الكربون الأوروبية الموحّدة من شأنه أيضًا أن يجعل من الممكن الكشف عن التكلفة العالية للتحول البيئي، مع وضع أداة منخفضة التكلفة لمكافحة تغير المناخ. ولكن كيف يمكن قياس السعر العادل الذي يجب أن يدفع مقابل الطن من الكربون؟ إذا كانت التكلفة منخفضة، فقد لا يوفر حافزًا كافيًا لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو الاستثمار في تطوير التقنيات الخضراء، أما إذا كانت مرتفعة كفاية، فإنها ستخاطر بخفض القوة الشرائية للأفراد بشكل كبير ومعاقبة ذوي الدخل المنخفض. بالنسبة لكريستيان غولييه، يتطلب تسعير الكربون الأخذ بعين الاعتبار عاملين رئيسيين: أولهما التفضيل الممنوح للحاضر مقابل المستقبل ومعدل الخصم للتدفقات المستقبلية.

من جهة، فإن الجهود التي يبذلها فرد أو شركة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، على سبيل المثال عن طريق خفض درجة منظم الحرارة (المكيّف)، يؤدي إلى التقليل من ظروف العيش المريح، ولذلك يجب ترجمته إلى مكافأة نقدية (ص 27). من أجل حث الناس على التضحية من أجل الأجيال القادمة، يجب تعويض هذه التكلفة المالية، لأن هذه التضحية تقلل من الاهتمام الفردي بتغيير العادات. من جهة أخرى، فإن معدل الخصم للتدفقات النقدية المستقبلية هو أداة اقتصادية عملية تجعل من الممكن تحديد القيمة التي سيحققها إنفاق "يورو واحد" في المستقبل. استنادًا إلى مبدأ النمو الاقتصادي الدائم، يعتقد الاقتصاديون أن الأجيال القادمة ستكون أكثر ثراءً من السكان الحاليين، وبالتالي فإن وضع تدابير لمكافحة تغير المناخ اليوم ستكون أكثر تكلفة من الغد. ولهذا السبب، فإن "مطالبتنا بتقديم تضحيات لصالح الأجيال القادمة هي مطالبة الناس الأكثر فقرا بتمويل الثروات" (ص 46) مما سيزيد من عدم المساواة بين الأجيال.

ومن هنا تأتي الفائدة من تضمين معدل الخصم في حساب قيمة الكربون، والذي يحدد "الحد الأدنى من المعدل الاجتماعي والاقتصادي لعائد الاستثمار للتعويض عن اللامساواة بين الأجيال (ص 47)، وإلا فإن الاستثمار في المستقبل ببساطة لن يكون مرغوبًا فيه. إن كريستيان غولييه يسلط الضوء من جانبه على أوجه الارتياب المتعلقة بتغير المناخ، والتي تجعل مثل هذا المستوى من النمو غير مرجح كليا. واستنادًا إلى الملاحظة القائلة بأن الأفراد يدخرون المزيد من الأموال في فترات المخاطر الاقتصادية، يقترح استخدام معدل خصم منخفض، من أجل تشجيع المزيد من الاستثمارات في المستقبل والاستعداد بشكل أفضل لمعالجة حالات الارتياب الناتجة عن تغير المناخ (ص 53).

يبدو أن تسعير ثاني أكسيد الكربون وسيلة فعالة لتشجيع الأفراد والشركات على أخذ المستقبل بعين الاعتبار في قراراتهم الحالية، لا سيما فيما يتعلق بالاستثمار. ولأن هذا الإجراء لا يتمتع برأي مؤيد، يقترح كريستيان غولييه إعادة توزيع الإيرادات الضريبية الناتجة عن ضريبة الكربون من أجل زيادة القبول الاجتماعي. من خلال إعادة توزيع المزيد على شرائح السكان ذات الدخل المنخفض، وبذلك سيكون من الممكن مواجهة تأثير زيادة التفاوتات الاجتماعية الناتجة عن هذا الإجراء (ص 33). تعتبر ضريبة الكربون المنفردة بالنسبة للمؤلف وسيلة ليبرالية عادلة، تعتمد إلى حد كبير على آليات السوق الحالية، لتشجيع التضحية التي يجب بذلها اليوم لضمان رفاهية الأجيال القادمة (ص 31). يختتم كريستيان غولييه درسه باقتراح أن سعر انبعاث طن من ثاني أكسيد الكربون يجب أن يكون "مساوياً للقيمة الحالية لتدفق الضرر الذي يولده هذا الانبعاث" (ص 63). لهذا يدعو إلى إدخال ضريبة منخفضة عن الكربون في البداية، والتي ستزداد خلال العقود القليلة القادمة. ويوصي باستخدام معدل الخصم بنسبة 4٪ وتنفيذ تسعيرة قدرها 150 يورو للطن من ثاني أكسيد الكربون اليوم، وزيادة تدريجية إلى 500 يورو حتى عام 2050.

في حين أن الهدف من الدرس هو تقييم كل إجراء لمكافحة تغير المناخ باستخدام منهج موضوعي، يمكننا أن نرى أن كريستيان غولييه يتخطى بسرعة عددًا من الإجراءات المهمة التي تناولها عدد من الباحثين في مجال المناخ والمخاطر البيئية. في الواقع، يبدو أن الهدف من الكتاب هو تكريس ضريبة الكربون الفردية، وهذه هي الحجة الحصرية التي ترتكز عليها النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة.

 

في الواقع، يعتمد الحل المقترح على العديد من مبادئ هذا التيار الاقتصادي، والتي لا تخضع لإجماع علمي: وبحسب هذه النظرية يجب أن يتشكل المجتمع من أفراد عقلانيين، يقيّمون باستمرار مصالحهم والإجراءات التي يتعين تنفيذها. كما أن الرفاه على المدى القصير سيعتمد إلى حد كبير على التقييم النقدي، وهذا سيجعل الإشارات المرسلة بواسطة السعر العامل الأكثر أهمية عند اتخاذ القرارات. يتجاهل هذا المنطق الحوافز الاجتماعية الأخرى، مثل المعايير الثقافية للاستهلاك مثل ( شراء هاتف محمول جديد كل عامين)، والقيم الشخصية ك( النزعة النباتية أو حماية البيئة) والتنظيم الاجتماعي مثل ( الحاجة إلى قيادة السيارة من أجل العمل بسبب عدم التمكن من الولوج إلى وسائل النقل العام). عند القيام بذلك، تتحول القضايا المتعلقة بالانتقال البيئي إلى أسئلة اقتصادية بحتة. 

وهكذا يصبح تغير المناخ فشلا بسيطا للأسواق، يمكن حله عن طريق تعديل أسعار الضريبة على انبعاثات الكربون (ص 31). علاوة على ذلك، فإن المؤلف لا يأخذ بعين الاعتبار تكلفة العواقب المستقبلية لتغير المناخ، والتي تقدر الآن تكلفتها الهائلة بأنها أعلى من تكلفة التخفيف من تغير المناخ.

 

أخيرًا، يضع المؤلف تأثير المخاطر والشك في حدوثها إلى جانب تغير المناخ، على الرغم من أن  تحديد التغيّر وقياسه وصل إلى مرحلة اليقين من قبل الخبراء في العديد من المجالات العلمية. باختصار، لا يمكن إنكار جهد ومواظبة كريستيان غولييه الذي يرغب حقًا في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بهدف مكافحة تغير المناخ  وفي سبيل ذلك خصص بحثه ودراساته لدق ناقوس الخطر والتأكيد على أن العلوم الاقتصادية والبيئية يمكن أن تساعد في تغيير السلوك الاجتماعي والحد من التغير المناخي لتفادي المخاطر البيئية والاقتصادية القادمة.

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: بين نهاية الشهر ونهاية العالم: مسؤوليتنا الاقتصادية تجاه الإنسانية

المؤلف: كريستيان غولييه

الناشر: دار فايار، باريس، فرنسا

تاريخ النشر: 15/6/2022

عدد الصفحات: 88 صفحة

اللغة الفرنسية