تاريخ موجز للمساواة

تاريخ موجز للمساواة.jpg

توماس بيكيتي

علي الرواحي

جرت العادة أن تكون إصدارات توماس بيكيتي السابقة كبيرة وضخمة؛ فخلال العقدين الماضيين أصدر عدد من الكُتب الرئيسة التي تتجاوز صفحاتها أو تصل للألف صفحة، منها: "رأس المال والأيديولوجيا" 2019م، و"رأس المال في القرن الحادي والعشرين" 2013م، وهي أعمال ضخمة بمقاييس ومعايير الحياة المتسارعة الحالية. ومع ذلك، بالرغم من الحجم المختصر لهذا العمل، إلا أنه لا يقتصر على عرض منهجي للدروس الرئيسة المستفادة من هذه الأعمال عن طريق تلخيص المناقشات التي أثارت الأسئلة في السنوات الأخيرة، بل يوفر منظورا جديدا لتاريخ اللامساواة استنادا لقناعة قوية تقول بأن التقدم نحو المساواة هو معركة بدأت منذ فترة طويلة وتحتاج فقط إلى الاستمرار في القرن الحادي والعشرين، شريطة أن نشارك فيه جميعاً، وأن نتخلى عن الانقسامات القائمة على الهوية العرقية أو الثقافية وعلى الضوابط التي تمنعنا في كثير من الأحيان من المضي قدما؛ ذلك أن الأسئلة الاقتصادية مهمة للغاية بحيث لا يمكن تركها لفئة صغيرة من المتخصصين والمديرين. كما أن نشر هذه المعرفة للمواطنين هي مرحلة أساسية في تحول علاقات القوة.

 

يقدم هذا الكتاب تاريخا مقارنا لتقلص اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية في المجتمعات البشرية، وذلك على مدى عشرة فصول متفاوتة في الحجم، والتركيز. أو بالأحرى، يقدم تاريخا من المساواة، لأنه؛ كما سنرى، كانت هناك حركة طويلة الأمد على مدار التاريخ نحو المزيد من المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. هذا ليس، بالطبع، تاريخا سلميا، وليس تاريخا خطيا، حيث لعبت الثورات والانتفاضات والنضالات الاجتماعية والأزمات من جميع الأنواع دورا مركزيًّا في تاريخ المساواة الذي نعرضه هنا. يتخلل هذا التاريخ أيضًا مراحل متعددة من الانحدار والانطواء والتراجع.

ومع ذلك، على الأقل منذ نهاية القرن الثامن عشر، كانت هناك حركة تاريخية نحو المساواة؛ فأوائل العقد الأول من القرن الحالي، بغض النظر عن مدى ظلمه، هي أكثر مساواة من نواحٍ عديدة عن تلك التي حدثت في عام 1850م أو 1780م. كما تتباين التطورات الدقيقة اعتمادا على الفترة الزمنية، وما إذا كنَّا ندرس عدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية المحددة من خلال الوضع القانوني، أو ملكية وسائل الإنتاج، أو الدخل، أو التعليم، أو الأصل القومي أو الاثني - العرقي أو مختلف الأبعاد المهمة. ولكن على المدى الطويل، بغض النظر عن المعيار الذي نستخدمه، نصل إلى نفس النتيجة. بين عامي 1780م و2020م، نرى تطورات تميل نحو مزيد من المساواة في المكانة والملكية والدخل والجنس والأعراق في معظم المناطق والمجتمعات على هذا الكوكب، وإلى حد ما عندما نقارن هذه المجتمعات على نطاق عالمي. إذا تبنينا منظورا عالميا متعدد الأبعاد بشأن عدم المساواة، يمكننا أن نرى أنه، من عدة نواحٍ، استمر هذا التقدم نحو المساواة أيضا خلال الفترة من 1980م إلى 2020م، وهي أكثر تعقيدا واختلاطا مما يُعتقد في كثير من الأحيان.

 

منذ نهاية القرن الثامن عشر، كان هناك اتجاه حقيقي طويل الأمد نحو المساواة، لكنه مع ذلك محدود النطاق. سنرى أن التفاوتات المختلفة استمرت على مستويات كبيرة وغير مبررة في جميع هذه الأبعاد - الوضع والملكية والسلطة والدخل والجنس والأصل وما إلى ذلك. وعلاوة على ذلك، غالبا ما يواجه الأفراد تفاوتات مجتمعة ومختلفة في نفس الوقت. إن التأكيد على وجود ميل نحو المساواة لا يعني التباهي بالنجاح. فهو يدعو إلى مواصلة النضال على أساس تاريخي متين، عن طريق دراسة كيفية إنتاج الحركة نحو المساواة، كما يمكننا أن نتعلم دروسا ثمينة لمستقبلنا ونفهم بشكل أفضل النضالات والتعبئة التي جعلت هذه الحركة ممكنة، بالإضافة إلى الهياكل المؤسسية والقانونية والاجتماعية والمالية والتعليمية والانتخابية؛ فالأنظمة التي سمحت للمساواة بأن تصبح حقيقة دائمة، لسوء الحظ، غالبا ما تضعف عملية التعلم الجماعي حول المؤسسات المنصفة بفعل فقدان الذاكرة التاريخي، والقومية الفكرية، وتجزئة المعرفة. فمن أجل مواصلة التقدم نحو المساواة، يجب علينا العودة إلى دروس التاريخ وتجاوز الحدود الوطنية والتنظيمية. فهذا العمل الحالي، الذي ينتمي إلى مجالات التاريخ والعلوم الاجتماعية، متفائل وتقدمي في نفس الوقت، كما يسعى للتحرك في هذا الاتجاه.

خلال القرن العشرين، أخذ البحث حول هذه الأسئلة منحى أكثر منهجية؛ حيث بدأ الباحثون في جمع البيانات على نطاق واسع فيما يتعلق بالأسعار والرواتب ودخل الأراضي والأرباح والميراث وقطع الأراضي. في عام 1933م، نشر إرنست لابروس كتابه "رسم تخطيطي لحركة الأسعار والدخل في فرنسا خلال القرن الثامن عشر"، وهي دراسة ضخمة أظهر فيها كيف حدث ذلك في سياق عقود ما قبل الثورة الفرنسية، وكيف تراجعت الأجور الزراعية مقارنة بسعر القمح ودخل الأرض، كل ذلك في سياق ضغط ديموغرافي قوي. من دون الادعاء بأنها كانت السبب الوحيد للثورة، يبدو من الواضح أن هذا التطور لن يؤدي إلا إلى زيادة عدم شعبية الطبقة الأرستقراطية والنظام السياسي القائم. الأمر الذي جعل في عام 1965م جان بوفييه وزملاءه أن يصفوا أهمية هذه البحوث بقولهم: "طالما تظل مداخيل الطبقات الاجتماعية المعاصرة خارج نطاق البحث العلمي، سيكون من العبث محاولة كتابة تاريخ اقتصادي واجتماعي صالح" .

 

في موازاة ذلك، مهد المؤرخون والاقتصاديون الأمريكيون والبريطانيون الطريق لتاريخ توزيع الثروة؛ ففي عام 1953م، جمع سايمون كوزنتس الحسابات القومية الأولى، التي ساعد في تأسيسها بعد صدمة الكساد، مع بيانات من ضريبة الدخل الفيدرالية (التي تم إنشاؤها عام 1913م، بعد معركة سياسية ودستورية طويلة) من أجل تقدير حصة الدخول المرتفعة في الدخل القومي؛ حيث تناولت الدراسة دولة واحدة فقط (الولايات المتحدة) وفترة قصيرة نسبيا (1913م-1948م)، لكنها كانت أول دراسة من هذا النوع، وقد أحدثت ضجة كبيرة. كما فعل روبرت لامبمان الشيء نفسه في عام 1962م مستخدما بيانات من الضريبة الفيدرالية على الميراث، وفي عام 1978م، دفع توني أتكينسون التحليل إلى أبعد من ذلك، مستخدمًا مصادر بريطانية عن الميراث. كما عادت أليس هانسون جونز إلى الوراء في الزمن، حيث نشرت في عام 1977م نتائج تحقيق واسع في قوائم جرد الممتلكات للأمريكيين في الفترة الاستعمارية.

بالإضافة لذلك، فإن التقدم المحرز في المجال التقني منذ عام 2000م جعل من الممكن تمديد التحليل لفترات أطول وإلى عدد أكبر من البلدان. انطلاقا من برامج البحث هذه، جمعت قاعدة البيانات العالمية لعدم المساواة (WID.world) في عام 2021م الجهود المشتركة لما يقرب من مائة باحث بشأن ثمانين دولة في كل قارة، مع بيانات حول توزيع الدخل والثروة تعود، في بعض الحالات، إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والمضي قدما حتى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، حيث أتاح هذا المنظور الزمني والمقارن الأوسع إمكانية مضاعفة المقارنات وتحقيق إنجازات مهمة في التفسير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من التطورات الملاحظة، وقاد هذا العمل الجماعي إلى نشر دراستين في عامي 2013 و2019 تقترحان أول خطوط سردية تفسيرية حول التطور التاريخي لتوزيع الثروة، وهي دراسات ساعدت في إثراء المناقشات العامة حول هذه الأسئلة. كما بدأت مؤخرا دراسات حول التحولات في بنية عدم المساواة الاجتماعية والانقسامات السياسية، بما يتماشى مع الدراسات التي أطلقها في الستينيات عالما السياسة سيمور ليبسيت وستاين روكان. مع ذلك، يجب التأكيد على أنه لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به للجمع بين المنهجيات المتنوعة، والمصادر، ومهارات البحث لتقديم تحليل مرضٍ للتمثيلات والمؤسسات، والتعبئة والنضالات، والاستراتيجيات والجهات الفاعلة المشاركة في التحولات التي تم الحديث عنها.

من الأسئلة المهمة التي تشغل بال مؤلف هذا العمل، والأعمال المشار إليها سابقا، هو: ما الدروس الرئيسة التي يمكن استخلاصها من هذا التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الجديد؟ الأكثر وضوحا هو بلا شك ما يلي: عدم المساواة هي أولا وقبل كل شيء بناء اجتماعي وتاريخي وسياسي. بعبارة أخرى، بالنسبة إلى نفس المستوى من التطور الاقتصادي أو التكنولوجي، هناك دائما العديد من الطرق المختلفة لتنظيم نظام الملكية أو نظام الحدود أو النظام الاجتماعي والسياسي أو النظام المالي والتعليمي، حيث أن هذه الخيارات ذات طبيعة سياسية؛ فهي تعتمد على حالة علاقات القوة بين مختلف الفئات الاجتماعية ووجهات النظر العالمية المعنية، كما تؤدي إلى مستويات وهياكل غير متساوية متغيرة للغاية، بناء على المجتمعات والفترات الزمنية. لقد نشأت جميع إبداعات الثروة في التاريخ من عملية جماعية: فهي تعتمد على التقسيم الدولي للعمل، واستخدام الموارد الطبيعية في جميع أنحاء العالم، وتراكم المعرفة منذ بدايات البشرية. كما تخترع المجتمعات البشرية في المقابل باستمرار القواعد والمؤسسات من أجل هيكلة نفسها وتقسيم الثروة والسلطة، ولكن دائما على أساس خيارات سياسية قابلة للتغيير والتراجع أيضا.

 

الدرس الثاني هو أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر كان هناك تحرك طويل الأمد نحو المساواة. وذلك بسبب الصراعات والثورات ضد الظلم التي جعلت من الممكن تحويل علاقات القوة والإطاحة بالمؤسسات التي تدعمها الطبقات المهيمنة، والتي تسعى إلى هيكلة عدم المساواة الاجتماعية بطريقة مفيدة، واستبدالها بمؤسسات جديدة وحديثة، وتأسيس قواعد اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر إنصافا وتحررًا للأغلبية. بشكل عام، تشمل التحولات الأساسية التي شوهدت في تاريخ الأنظمة أن اللامساواة خضعت لصراعات اجتماعية وأزمات سياسية واسعة النطاق. كانت انتفاضات الفلاحين في 1788م – 1789م وأحداث الثورة الفرنسية هي التي أدت إلى إلغاء امتيازات النبلاء. وبالمثل، لم تكن المناقشات صامتة في صالونات باريس ولكن تمرد العبيد في سان دومينج عام 1791م مما أدى إلى بداية نهاية نظام العبودية في المحيط الأطلسي. فخلال القرن العشرين، لعبت التعبئة الاجتماعية والنقابية دورا رئيسيا في إنشاء علاقات قوة جديدة بين رأس المال والعمل وفي الحد من عدم المساواة. يمكن أيضا في هذا السياق، تحليل الحربين العالميتين كنتيجة للتوترات الاجتماعية والتناقضات المرتبطة بعدم المساواة التي لا تطاق والتي سادت قبل عام 1914م، على الصعيدين المحلي والدولي. ففي الولايات المتحدة، استغرق الأمر حربا أهلية مدمرة لوضع حد لنظام العبودية في عام 1865م. وبعد قرن، في عام 1965م، نجحت حركة الحقوق المدنية في إلغاء نظام التمييز العنصري القانوني. والأمثلة كثيرة: في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لعبت حروب الاستقلال دورا مركزيا في إنهاء الاستعمار الأوروبي، كما استغرق الأمر عقودا من أعمال الشغب والتعبئة للتخلص من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في عام 1994م.

بالإضافة إلى الثورات والحروب والانتفاضات، غالبا ما تكون الأزمات الاقتصادية والمالية بمثابة نقاط تحول، حيث تتبلور الصراعات الاجتماعية ويعاد تعريف علاقات القوة. في هذا السياق، لعبت أزمة عام 1930م دورا رئيسيا في نزع الشرعية طويلة الأمد عن الليبرالية الاقتصادية وتبرير الأشكال الجديدة لتدخل الدولة. كما نرى أنه في الآونة الأخيرة أيضا، بدأت نتائج الأزمة المالية لعام 2008م، ووباء Covid-19 العالمي في 2020م-2021م، في قلب العديد من الحقائق التي كانت تعتبر قبل فترة وجيزة غير قابلة للدحض، أو ضمن اليقينيات المتعلقة، على سبيل المثال، بالمستوى المقبول للدَّين العام أو دور البنوك المركزية. على نطاق أكثر محلية ولكن لا تزال مهمة، انتهى تمرد السترات الصفراء في فرنسا في عام 2018م بتخلي الحكومة عن خطتها لزيادة ضريبة الكربون، والتي تعزز اللامساواة بشكل خاص. في بداية عشرينيات القرن الحادي والعشرين، تُظهر حركات Black Lives Matter و#MeToo، قدرة رائعة على حشد الناس حول عدم المساواة العرقية والجنسانية والمناخية، عبر الحدود الوطنية والأجيال، مع الأخذ في الاعتبار التناقضات الاجتماعية والبيئية للنظام الاقتصادي الحالي، فمن المحتمل أن تستمر هذه الثورات والصراعات والأزمات في لعب دور مركزي في المستقبل، في ظل ظروف يتعذر التنبؤ بها بدقة. 

 

من المهم أيضًا تسليط الضوء على درس آخر من التاريخ، وهو أن الصراعات وعلاقات القوة ليست كافية، فهي تُعتبر شرطا ضروريا لقلب المؤسسات غير المتكافئة والسلطات الراسخة، لكنها للأسف لا تضمن بأي شكل من الأشكال أن تكون المؤسسات الجديدة والقوى الجديدة التي ستحل محلها دائما تتسم بالمساواة وذات طابع تحرري كما يأمل الساعون لها.

السبب في ذلك بسيط كما يرى بيكيتي، فعلى الرغم من أنه من السهل إدانة الطبيعة القمعية للمؤسسات القائمة والحكومات، إلا أنه من الصعب بكثير الاتفاق على المؤسسات البديلة التي ستجعل من الممكن إحراز تقدم حقيقي نحو المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي نفس الوقت احترام الخيارات الفردية، بما في ذلك الحق في الاختلاف. فالمهمة ليست مستحيلة على الإطلاق، لكنها تتطلب منا قبول المداولات، ومواجهة وجهات النظر المختلفة، والتسويات، والكثير من التجريب، وقبل كل شيء، يتطلب الأمر منا قبول حقيقة أنه يمكننا التعلم من المسارات والتجارب التاريخية للآخرين، وخاصة أن المحتوى الدقيق للمؤسسات العادلة غير معروف مسبقا ويستحق المناقشة على هذا النحو. غير أننا سنرى أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر، استندت المسيرة نحو المساواة إلى تطوير عدد من الترتيبات المؤسسية المحددة التي يجب دراستها على هذا النحو: المساواة أمام القانون؛ والاقتراع العام والديمقراطية البرلمانية؛ والتعليم المجاني والإلزامي، وغير ذلك.

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: تاريخ موجز للمساواة

المؤلف: توماس بيكيتي.

الناشر: Harvard University Press. ,2021

عدد الصفحات: 288.

لغة الكتاب: الإنجليزية