طرائق فلسفة الفلسفة: كانط وميمون وشلنج في كيف نتفلسف في الفلسفة

طرائق فلسفة الفلسفة.png

 يلشا شميد

محمد الشيخ

تتميز الفلسفة عن بقية المباحث الأخرى ـ إنسانيات وعلميات ـ بكونها، إلى جانب اختصاصها بالنظر في موضوعات مُعينة (الوجود، المعرفة، القيم ...)، ما تفتأ هي تؤوب الأوبة إلى نفسها ناظرة إلى ذاتها ومتسائلة عن أمرها: تُرى ما الذي تَكُونُه الفلسفة نفسها؟ أو ما طبيعة هذا المبحث الذي ندعوه "فلسفة"؟ تلك عَلِمْنَاهَا "فلسفة الفلسفة" أو "ما وراء الفلسفة"، أو إذا ما نحن استعرنا لغة الشيخ الرئيس ـ ابن سينا ـ تلك "فلسفة من الوضع الثاني" تأتي بعد "الفلسفة من الوضع الأول". والكتاب الذي بين أيدينا من الكتب القليلة التي خصصت للفلسفة من الوضع الثاني هذه. وموضوعه "فلسفة الفلسفة" التي يُرجَّح أن يكون الفيلسوف البولندي الأمريكي موريس لازيروفتش (1907-1987) أول من نحت مصطلحها عام 1940. 

 

وصاحبة الكتاب فيلسوفة شابة درست الفلسفة والأدب الإنجليزي بجامعة بال (سويسرا). وفي عام 2015 ختمت مسارها كطالبة باحثة بأطروحة عن الفيلسوف هايدجر والطب العقلي ـ وهو موضوع يكاد يكون غير مسبوق في حقل الدراسات الهايدجرية ـ ثم أمضت فترة أستاذة مساعدة في جامعة يال (أمريكا)، ومنذ بداية هذه السنة تشغل كرسي الفلسفة النظرية. والكتاب الذي بين أيدينا من أهم أعمالها، وقد صدر في طبعتين: ألمانية بعنوان "تجريب العقل: كانط وميمون وشلنج في ما وراء الفلسفة"، ثم طبعة إنجليزية بعنوان: "فلسفة الفلسفة: كانط وميمون وشلنج في كيف نتفلسف في الفلسفة" (2022). هذا وتهتم يلشا شميد بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية، وبما وراء الفلسفة، وبالإبستمولوجيا، وبهوية الشخص، وبفلسفة التفاعل بين الذوات. 

بداية، لا تدعي صاحبة الكتاب أن كتابها هذا تأريخ لفلسفة الفلسفة هذه، وإنما هو كتاب قائم على انتقاء نماذج تمثيلية عن هذا المبحث. ذلك أن الباحثة اختارت منذ البداية ثلاثة نماذج من الفلسفة المثالية الألمانية: إيمانويل كانط (1724 - 1804) وسالمون ميمون (-1753 1800) ـ الذي يلزم تمييزه عن الفيلسوف اليهودي الوسطوي موسى بن ميمون ـ وشلنج (1854 -1775). وذلك على أساس أنَّ هؤلاء الثلاثة ساهموا إسهاما جليلا في البحث عن حل منهجي لمشكلة السعي إلى جعل الفلسفة النظرية علمًا. 

وللتذكير، فقد سعى الفلاسفة المثاليون الألمان إلى طرد الاعتباطية والهوى والذاتية والفردانية من رحمة الفلسفة باعتبار تلك شرورا مستطيرة، وكان مبتغاهم ما عبَّروا عنه بالعبارة: "الرقي بالفلسفة إلى مقام العلم". والحال أن محاولات الفلاسفة المثاليين الألمان تقدم نفسها باعتبارها متميزة عن كل المحاولات التي سبقت في مضمار "الفلسفة التأملية". ويكمن وجه التميز في ما ارتأته هذه المحاولات من ضرورة الرقي بشأن "الفلسفة" إلى مستوى "العلم" الحق؛ بل إلى مستوى "علم العلم" و"العلم المطلق".

 

وقد عمد فيشته (1814 -1762) إلى فتح الباب أمام تابعيه من المثاليين الألمان، وذلك بعد أن فصل فصلا بين فلسفة سائدة ـ نعتها بأنها "غير علمية" ـ وأخرى مأمولة أثنى عليها بوسم "العلمية": الأولى، عنده، من بقايا الماضي المختلف، والثانية، في اعتباره، سليلة المستقبل المؤتلف. وهو باب عد من أهم "أماراته" التخلي التدريجي عن لفظة "الفلسفة" اليونانية المثقلة بماضيها الخلافي؛ حيث المدارس المتباينة والمذاهب المتخالفة، والاستعاضة عنها بما يفيد صفة "العلمية"؛ أي بما يفي بمطالب "الوحدة" و"الدقة" و"الصرامة المنطقية". ولَئِنْ كان فيشته قد سعى إلى التخلي عن لفظ "الفلسفة" البالية هذا، فإنه استعاض عنه بالعبارة: "نظرية العلم" أو "مذهب العلم". ولعل هذا التحول في اسم "الفلسفة" ما كان بالأمر الناتج عن رغبة الفيلسوف في ابتداع المولّدات من الألفاظ، جريا على عادة الفلاسفة في الاستعاضة عن اسم "الفلسفة" باسم "الحكمة" أو "المعرفة الحقة" ... وإنما هو أمارة على تحول دلالي عميق في تصور الفلسفة لذاتها من حيث هي خطاب عقلي. وهكذا، ففي رسالة وجهها فيشته إلى الفيلسوف الكانطي راينولد بداية عام 1974 أفصح صاحب "مذهب العلم" عن هذه الرغبة إفصاحا فقال: «إن الناظر إلى حال الفلسفة اليوم ليأسف على كونها لم تصر بعد علما. وإن يقيني ليزداد يوما بعد يوم بأنه بإمكانها أن تصير كذلك؛ بل لعلي لا أجانب الصواب إذا قلت بأنها سوف تصبح لا محالة عما قريب علما كامل العلمية».  وهذا شلنج نحا بالفلسفة إلى حيث نحا فيشته فحملها على وجه أن تصير علما مكتمل العلمية؛ إذ كثيرا ما خلع عليها صفة "العلم" ومشتقاتها: قال عنها إنها "علم العلم"، وإنها "العلم بإطلاق"، وإنها "علم ذاتها" ... وما زال ينعتها بهذه النعوت حتى قال عنها: إنها "العلم اللانهائي"، و"العلم المطلق"، بل و"أشرف العلوم". وما اختلف المقصد عنده بهذه النعوت عما تغياه فيشته بالعلم الفلسفي؛ أي جملة القول العقلي الكلي النسقي. وعنده أن في الفلسفة، من حيث هي العلم الحي، كل قضية الشأن فيها أن تصير مبطلة في ذاتها إن هي عزلت، وألا تكتسب صحتها اللهم إلا في طار حركة تولدها؛ أي في صلتها ببقية القضايا الفلسفية الأخرى المتعالقة بها والتي يأخذ بعضها برقاب بعض على سبيل سلسلة التضام العِلِّي السببي.

على أن مؤلفة هذا الكتاب تقر بأنه في أيامنا هذه تم هجر مشروع "إضفاء الطابع العلمي على الفلسفة" من لدن معظم الفلاسفة، وهو الأمر الذي ما كان ليخطر ببال فلاسفة المثالية الألمانية قطعا. بل تذهب المؤلفة إلى أنه في ضوء ثورات العلم الحديث، طفق الفلاسفة الألمان في الشعور بالضغط عليهم لإنقاذ المنزلة العلمية لمبحثهم، ومن كتاب نقد العقل الخالص (1781/1787) فصاعدا، يمكننا عبر فلاسفة المثالية الألمانية رسم صورة عن الجدل الذي احتدم حول طبيعة الفلسفة النظرية وما الذي يلزمها أن تكون عليه وما هي مواصفاتها داخل جملة العلم الحديث. 

 

وتنحت الباحثة لفظا غريبا بعض الغرابة، بل إنه حتى الأذن الغربية المعتادة على المولدات قد تَمُجُّهُ، وهو لفظ "ما وراء الفلسفة - الأولى"، تَعُده برنامجا علميا يقف في أصل هذا الكتاب؛ وتعني به انهمام فلاسفة ألمانيا المثاليين، بدءا من كبيرهم كانط، بالفلسفة للفلسفة، وانشغالهم بالفلسفة في الفلسفة. وما يؤلف بينهم ولا يفرق إنما هو رؤيتهم التي تشاطروها والتي تذهب إلى أنه يتعين على جملة الفلسفة أن تُسْتَهل باستقصاء فلسفي حول ما الذي يتعين أن تكون عليه الفلسفة من حيث ما هي علم. وههنا يتم النظر إلى مبحث "ما وراء الفلسفة" لا بحسبان كونه فرعا من فروع الفلسفة شأنه النظر في النظريات الفلسفية نفسها، أو في الفلسفة عينها، وإنما باعتبار "ما وراء الفلسفة" مبحثا أساسيا يتعين على سائر مباحث الفلسفة الأخرى، أكانت هي نظرية أم عملية وصنفت هي بأي تصنيف كان، أن تجد تأسيسها في هذه القاعدة وأن تلقى تسويغها في هذا المبحث. 

ثم تتقصى الباحثة عبر فصول الكتاب الثلاثة الخيط الناظم هذا بدءا من منبعه كانط، وتثنية بالفلسفة المثالية الألمانية (ميمون وشلنج)، حيث تتبدى لنا بألوان مزركشة طرائق فلسفية لتصيير الفلسفة علما.  وتقف المؤلفة في هذا الكتاب لانتقاء ثلاث طرائق، اقترنت بثلاثة فلاسفة، بدت لها هي الأهم: ما تسميه "طريقة كانط التمهيدية" ـ وتخصص لها الفصل الأول ـ وما تدعوه "طريقة ميمون في التخييلات" ـ وتفرد لها الفصل الثاني ـ وما تسمه بوسم "طريقة شلنج في بناء الطبيعة" ـ وتتناوله في الفصل الثالث. وما يوحد برامج هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، بالقياس إلى برامج أخرى منافسة، إنما هو تَوَحُّدُ هؤلاء الفلاسفة في إيمانهم "الما وراء فلسفي" بأن الطرائق الفلسفية المستعملة للجواب عن أسئلة "فلسفة الفلسفة" يلزم أن تتطور في تعالق مع طرائق العلوم. فكما أن العلوم الحديثة حققت "ثورة علمية"، فقد سعى كل من كانط وميمون وشلنج إلى تجاوز الفلسفة "التأملية" "غير العلمية" السائدة في زمانهم، وذلك نحو "ثورة منهجية" في الفلسفة. وبما أن "التجريب" كان هو الفيصل في الثورة العلمية، فإن هؤلاء الفلاسفة دعوا إلى التجريب في الفلسفة حتى تتبين الفلسفة الحقة "العلمية" من الفلسفة البهرج "غير العلمية".

في فصل تمهيدي، تقدم المؤلفة مدخلا إلى مبحث "ما وراء الفلسفة" تبين فيه أن هذا المبحث يجد أصله في سياق فلسفة كانط بمعناها الواسع، ثم توجز القول في كيف ظهر برنامج ما وراء الفلسفة لكانط وكيف اتبعه تلامذته. وفي فصول هذا الكتاب الثلاثة تعرض المؤلفة إلى ما سمته "فلسفات الفلسفة" عند هؤلاء، تلك الفلسفات من الوضع الثاني التي "تنتمي سائرها إلى نفس الأسرة" من برامج البحث؛ لأن رؤى هؤلاء الثلاثة في شأن طريقة ما وراء الفلسفة تتمثل في ثورة التزام شديد بالنظرية والممارسة العلمية التي كانت سائدة في زمنهم؛ إذ ما من فيلسوف منهم إلا سعى إلى تطوير طريقة خاصة بفلسفة الفلسفة. 

 

في الفصل الأول الذي خصصته لكانط، ترى المؤلفة أن أطروحة كانط الأولى تذهب إلى القول بأنه ليس يوجد تصور ميتافيزيقي يستحق أن يسمى تصورا "علميا". ولهذا الداعي، سعى هو إلى تطوير فلسفة جديدة، فلسفة فلسفة، تكون مقتدرة على تحديد ما الذي يتعين على ميتافيزيقا علمية أن تكونه. هو ذا مشروع نقد العقل الخالص عينه. وقد أرسى كانط دعواه على ثلاث مقدمات: 1 - العلم ممكن ومتحقق معا حسب ما شهد عليه قيام المنطقيات والرياضيات والطبيعيات، 2- لا زالت الميتافيزيقا لم تصبح بعد علما، 3- تأسيسا عليه؛ لا زالت الفلسفة العلمية غير متحققة، ويتوجب على الفلسفة أن تشرع في البحث عما إذا كان من الممكن بالنسبة إليها أن تغدو علما. هو ذا أساس مشروع كانط الذي لا تعتبره الباحثة تأسيسا لفلسفة جديدة بقدر ما هو، على الحقيقة، "تمهيد للفلسفة". وشأن الفلسفة التمهيدية هذه أن تفحص شروط إمكان قيام معرفة قبلية بغرض أن تقتدر على تحديد شروط إنشاء ميتافيزيقا علمية. بمثل هذه الأفكار دشن كانط برنامج بحث خاص يؤلف بين مسألة العلمية في الفلسفة النظرية ومسألة منهجية فلسفة الفلسفة. وهو ما يسمح ـ في نظر المؤلفة ـ بتأويل جديد لتعالقات فلسفة كانط بأخلافه: راينولد ومنهج التفكر، ميمون ومنهج التخييلات، فيشته ونظرية العلم الاستنباطية، شلنج ومنهج البناء الفلسفي، ولربما حتى هيجل ومنهجه الجدلي ... على أنه في هذا الكتاب، تؤثر الباحثة الاكتفاء بثلاثة نماذج تعمّق البحث فيها: طريقة كانط التمهيدية، وطريقة ميمون التخييلية، وطريقة شلنج البنائية. وتدافع الباحثة عن فكرة أن طريقة كانط التمهيدية إنما تبناها ميمون وشلنج؛ وذلك بحيث يمكن اعتبار فلسفة الفلسفة، عندهما، نسخا مستملاة فكرتها من برنامج بحث كانط؛ على ما بين برامج البحث الثلاثة من تباين لوينات.  

وفي الفصل الثاني الذي خصصته إلى ميمون: هذا الذي يذهب مذهب كانط في السعي إلى إرساء قواعد منهج جديد يلائم ملاءمة خاصة مهمة استقصاء المعرفة الفلسفية العلمية، لكن على خلافه يرى أن استعمال التخييلات هو القمين بتحقيق ذلك. وهو يقصد بطريقة التخييلات طريقة في التخمينات والافتراضات، لأن الفلسفة تبقى عنده مسعى تخمينيا افتراضيا، وذلك وفق المنهج "الأرأيتي": أرأيت لو أنه حدث كذا ما الذي يلزم عن حدوثه؟ وهكذا، عن طريق الفروض واختباراتها يمكن للفلسفة أن تصير علما.

 وفي الفصل الثالث، تركز الباحثة على طريقة شلنج التي تسميها باسم طريقة بناء الطبيعة. ذلك أن منهجه سعى أيضا إلى تطوير تمهيد فلسفي مناسب لتأسيس علم فلسفي بوسمه "علم العلم". على أنه، وعلى خلاف كانط وميمون، حمل على عاتقه مسعى إيجاد طريقة تمهيدية لا تكون مقتدرة فحسب على درك الشروط الأساسية (كانط) أو الشروط التخمينية المتولدة (ميمون)، وإنما أكثر من ذلك تقتدر على درك مبادئ العلم غير المشروطة؛ أي المطلقة. وعلى خلاف الفيلسوفين السابقين الذين وجدا أنموذجهما في الرياضيات، أكانت جبرا هي أم كانت هندسة، فإن شلنج وجد أنموذجه في علم الطبيعة. إذ ذهب إلى أنه يلزم فلسفة الفلسفة المبتغاة أن "تبني" الطبيعة نفسها بناء، وذلك بفرضها افتراضا مطلقا بمثابة الفكرة الناظمة للطبيعة؛ وتأسيسا عليه يتم استكشاف الظواهر الطبيعية واختبارها الاستكشاف الموصول والاختبار الدائم. 

 

تختم المؤلفة كتابها بالتأكيد على أن برامج كل من كانط وميمون وشلنج في شأن فلسفة الفلسفة إنما هو عبارة عن "تنويعات" على ما تسميه "تجريبات العقل". ذلك أنه لكي تصير الفلسفة فلسفة حقا، يتعين عليها، حسب كانط وميمون وشلنج، أن تخوض في مغامرة تجريبات، وذلك بالقيام بأنشطة تتيح لها توليد مسائلها وحلها؛ بمعنى أنه على العقل، إذا ما نحن عبرنا عن الأمر بلغة الميتافيزيقا، أن ينخرط في التجريب على ذاته. وفقط لما هو يستعمل طريقة بهذا النحو يمكنه أن يأمل في بلوغ مأمن مسار العلم. ذلك أنه لكي تمسي الفلسفة علما، يتوجب عليها أن تبدأ بتجريبات للعقل.

 

تفاصيل الكتاب:

اسم المؤلفة: يلشا شميد

عنوان الكتاب: طرائق فلسفة الفلسفة: كانط وميمون وشلنج في كيف نتفلسف في الفلسفة

دار النشر: كلوسترمان

سنة النشر: 2022