الاضطرابات: لفهم النظام الجديد للعالم

الاضطرابات.jpg

فرنسوا هولاند

محمد حركات (أكاديمي مغربي) 

فرانسوا هولاند، المولود عام 1954 في روان، هو موظف سامٍ ورجل دولة فرنسي. تولى رئاسة الجمهورية الفرنسية من 15 مايو 2012 إلى 14 مايو 2017. قبل ذلك، شغل منصب قاضٍ في ديوان المحاسبة ومحامًيا لفترة وجيزة، وانتخب لأول مرة نائبًا برلمانيا في عام 1988. وشغل منصب السكرتير الأول للحزب الاشتراكي من 1997 إلى 2008، خلال التعايش الثالث، ثم في المعارضة. على المستوى المحلي، تحمل عمدة مدينة تول من عام 2001 إلى عام 2008 ورئيس المجلس العام لكوريز من 2008 إلى 2012. عينه الحزب الاشتراكي مرشحًا في الانتخابات الرئاسية لعام 2012 بعد الانتخابات التمهيدية اليسارية، وانتخب رئيسًا للدولة ضد الرئيس المنتهية ولايته آنذاك نيكولا ساركوزي بنسبة 51.6٪ من الأصوات في الجولة الثانية. تميزت فترة رئاسته بزيادة الضرائب، وبالتوجه الاجتماعي الليبرالي (ميثاق المسؤولية)، وبإصدار قانون زواج المثليين، وعقد مؤتمر باريس حول المناخ، وتنامي سلسلة التدخلات العسكرية (في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والشرق الأوسط)، فضلا عن تفاقم أزمة الهجرة في أوروبا وإعلان حالة الطوارئ في أعقاب عدة هجمات إسلامية في فرنسا.

وفي مواجهة نوايا تصويت منخفضة للغاية وخطر الفشل في الانتخابات التمهيدية في اليسار، تخلى عن الترشح لولاية ثانية، والتي كانت الأولى في عهد الجمهورية الخامسة. لقد تراجع في انتخابات 2017، ولم يدعم مرشح الحزب الاشتراكي، بينوا هامون. بعد رئاسته، امتنع عن شغر منصب في عضوية المجلس الدستوري - الذي له الحق فيه مدى الحياة - ولم يشغل أي ولاية أو وظيفة بارزة بعد ذلك، لكنه ظل حاضرًا في النقاش العام والحياة السياسية.

 

 من أهم مؤلفاته يمكن ذكر : "تغيير القدر"، 2012،"دروس القوة"، 2018، "مواجهة"، 2021.

في كتابه الجديد "الاضطرابات : لفهم النظام الجديد للعالم"، يرى، بصفته الممثل والشاهد على عقد كامل من الاضطرابات،كرئيس للدولة لمدة خمس سنوات ثم كمراقب مستنير أنه في غضون عشر سنوات الأخيرة 2012-2022 تغير العالم. فالديموقراطية، التي بدت وكأنها تتقدم بشكل حتمي، أصبحت الآن في موقف دفاعي. التقدم والتماسك الاجتماعي، الذي بدا متينًا، يمر الآن بأزمة. الحرية، التي اعتقدنا أنها غير قابلة للتغيير، تجد نفسها مُقوَّضة. السلام، الذي كنَّا نظن أنه تأسس في أوروبا، انهار بسبب العدوان الروسي على أوكرانيا، مكرسًا هذا التغيير في العصر.

ويذكر الكاتب بالهزات البنيوية التي عرفها العالم في مواجهة الأزمات السياسية وتكريس قيم الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية والناجمة عن تسلط الأنظمة الفاشية ونهاية الحرب الباردة وإنهاء الاستعمار والصدمات الطاقية في الثمانينيات من القرن الماضي، وكذا التهديدات النووية والدور البارز الذي لعبه دركي العالم، الولايات المتحدة الأمريكية وفضائل العولمة والثورة التكنولوجية، فضلاً عن مواجهة صدمة أحداث 11 سبتمبر والإرهاب والتغير المناخي. ومازالت هناك مخاطر وتهديدات عديدة تواجه الكون والمتمثلة في عدم نجاعة قدرة السياسات المتبعة في مجال البيئة والآثار السلبية للعولمة وظهور ملامح الهوية وردود الفعل القومية في كل مكان وبأشكال مختلفة . 

كيف وصلنا إلى هنا ؟ ما هي الأحداث والشخصيات والاتجاهات التي تفسر هذه التغييرات الجديدة؟ ما هو منطق اضطراب الأزمات والعنف؟ من هم أعداؤنا وحلفاؤنا وشركاؤنا في هذه اللعبة التي تُلعب على نطاق كوكبي؟ ما هي نقاط قوتنا ولكن أيضًا معوقاتنا، المكونة من انقسامات داخل مجتمعاتنا ونقص في الوضوح في مواجهة التحديات؟ ما هي التغييرات الرئيسية التي يتعين علينا تحقيقها بدافع الضرورة، من أجل استقلال طاقتنا، وخلاصنا المناخي؟

 

ويسعى الكتاب بناء على طرح هذه الإشكاليات لتقديم تشخيص علمي للمساعدة على فهم العالم الجديد ولفتح السبل الكفيلة التي تسمح بصد التهديدات، والتغلب على التحديات، والسماح لفرنسا بشق طريقها في هذا العالم المتغير بسبب اضطرابات القرن الحادي والعشرين.

 وعليه، يحرص الكاتب على ضوء تجربته أن يدعو إلى الاستعداد في هذا القرن الخطير الذي قد تصبح فيه بلده هدفا للحكام المستبدين لتبني مسار جديد في العمل لمواجهة مختلف التهديدات الجديدة، والتي تجبرها على مراجعة استراتيجيتها وتغيير سياستها وإصلاح مجتمعها واقتصادها وإعادة التفكير في مستقبلها وأمنها. 

 واعتبارا، لما عرفه العالم من تغيير في كل شيء في غضون عشر سنوات حيث اهتز الموقف المهيمن للأنظمة السياسية الغربية، إلى جانب السلام الأوروبي وتوازن العالم. فما هي هذه التغييرات التي طبعت عقد 2012-2022 ؟

في القسم الأول من الكتاب يعمل المؤلف إلى تحديدها في أحد عشر عنصرا هي كالتالي : الأعداء الجدد، وانسحاب الدرك الأمريكي من المنظومة(2013)، واغراءات الامبراطوريات 2014، والوعي بالكارثة 2015، والموجة السيادية2016، وإمبراطورية GAFAM 2017، وعودة الذرة 2018، وصحوة أوروبا 2019، وسير العالم في طريق مسدود 2020، وفشل المبشرين المسلحين 2021، والحرب في الداخل 2022.

 وبصفة خاصة، يمثل بروز التحالف الكبير والعميق للأعداء الجدد للغرب ( 2012) والمتمثلة في القادة الروس والصينيين أهم متغير بارز عرفه العقد والذي يتميز حسب اعتقاد الكاتب باتجاه ضد الديمقراطية الغربية . فهذا التحالف العظيم والمتين مكّن من مقاومة الأزمات، مثل أزمة جائحة كوفيد-19 التي كان يمكن أن تجعل الصين تتعثر، أو الحرب في أوكرانيا التي كان من الممكن أن تعزل روسيا. فالقادة الروسيون لا يرفضون انحدار بلدهم ولا يترددون في التلويح بالحضارة والقيم. ولا يقفون في توطيد سلطتهم وتوسيع نفوذ الإمبراطورية الروسية الجديدة في طور التكوين. وعلى نطاق أوسع، يعتقد بوتين أنه يجب على روسيا استعادة دورها العالمي، وأنه يجب عليها تحديث أداتها العسكرية بشكل عاجل، وأنه لم يعد بإمكانها البقاء سلبيًّا في الشرق الأوسط أو في إفريقيا، وأنه يجب عليها التوقف عن السماح للغربيين بالسيطرة على المنظمات الدولية.

 

في السنوات التي تلت ذلك، كان يستخدم حق النقض بشكل منهجي ضد جميع المبادرات القادمة من الولايات المتحدة - وحتى من فرنسا - داخل مجلس الأمن، كلما هددوا ديكتاتورًا ما، سواء في سوريا أو في السودان أو بورما أو فنزويلا أو نيكاراغوا. تنطبق هذه الحماية أيضًا على كوريا الشمالية وإيران. أي شيء خارج النطاق الغربي يستحق دعمه، وحقوق الإنسان لا علاقة لها بتفكيره الساخر أو بما يعتقد أنه في مصلحة روسيا. وينبغي ذكر التحالف العميق والقوي لهذا البلد مع الصين الذي بعد عشرين عامًا من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، ضاعفت ثروتها للفرد بمقدار عشرة أضعاف. لقد أصبحت المصدر الرئيسَ للسلع على هذا الكوكب (حصة سوقية 16٪ مقابل 15٪ لأوروبا و 10٪ للولايات المتحدة). إنها تزن، من حيث الناتج الداخلي الإجمالي، أكثر من منطقة اليورو ويتوقع أن تتفوق على الولايات المتحدة قبل عام 2030. وأمام هذا النجاح الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي تسعى الصين الى التزويد بأول جيش في العالم، بريًّا أو بحريًّا اعتبارا للإهانة التاريخية التي عاشتها في منتصف القرن التاسع عشر في أفق، مواجهة النفوذ الأمريكي لتصبح، بحلول عام 2050، القوة الاقتصادية الرائدة في العالم.

ومن هناك بدأ النظامان الاستبداديان العظيمان يشقان طريقهما، من خلال تشكيل تحالف، هجومًا مضادا، كل على طريقته الخاصة. ومن الواضح أنهم مختلفون ومتباينون وأحيانًا متنافسون. لكنهم يشتركون في نفس الكراهية التي تكمن في الغرب الذي يريدون إضعافه وقمعه، وفي الديمقراطية التي تؤدي، حسب رأيهم، إلى انحلال وتفكك الأمم. لقد وضعوا الهوية، روسية أو صينية، كمبدأ عدواني ومطلق. إنهم يتبنون نفس الأساليب: الخوف من الداخل، والهيمنة على الخارج، واللين أو القسوة حسب الظروف. يعتقد شي جين بينغ وفلاديمير بوتين أن الوقت يعمل لصالحهما، ما دامت قوتهما لا حدود لها-زمكانيا - حيث تم إبرام اتفاق بينهما يتجلى في جميع الموضوعات وفي جميع القارات. وفي تطابق تام في مجلس الأمن. وإذا حدث هناك اختلاف في وجهات نظرهما، فلا يتم التعبير عنها. كلاهما لديه نفس الرغبة: هزيمة الولايات المتحدة، وإقناع أوروبا والشرق الأوسط، ثم التأثير على أفريقيا، والسيطرة على المضائق والبحار.

 ورغم ذلك، يلاحظ تراجع ملموس في الولايات المتحدة وتحول استراتيجي للدرك الأمريكي في التدخل في الحروب الخارجية؛ وذلك انطلاقا ولأول مرة أثناء الحرب السورية منذ ولاية باراك أوباما الذي، باسم الواقعية، كان يمثل تطلعات مجتمع أمريكي سئم من التدخل الخارجي وحرص على استعادة النمو والازدهار. حيث استند وتمسك بهذا المبدأ التأسيسي جزئيًا منذ انتصاره في عام 2008 والذي ميز سياسته بالكامل. وكان حذرًا من أي شيء يمكن أن يجر الولايات المتحدة إلى تدخلات خارجية مليئة بالمغامرات، واعتبر أن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة تتركز الآن في منطقة المحيط الهادئ. ومن ثم فقد أشرف على هذا التحول الاستراتيجي للولايات المتحدة، ثم عززه دونالد ترامب بأسلوب مختلف، وبعده جاء بايدن بالتأكيد.

 والواقع أن مختلف التدخلات الأمريكية، في تحرير الكويت أو في العراق وأفغانستان، أدت إلى صراعات لا نهاية لها وشجعت على صعود الإرهاب وتدهور صورة الولايات المتحدة في العالم. وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة بإشعال الحروب في العالم كانت الصين تبني اقتصادها وإعادة التفكير في دعم قدراتها الجيو-استراتيجية والجيو-اقتصادية كبلورة مشروع ومبادرة "الطريق والحزام" .

 

وأخيرًا، اختفاء المخاوف المتكررة بشأن إمدادات النفط والغاز، والتي دفعت واشنطن منذ فترة طويلة إلى مراقبة الوضع في الخليج عن كثب قدر الإمكان، منذ أن أدى استغلال رواسب الغاز الصخري إلى جعل الولايات المتحدة مكتفية ذاتيًا في الوقود الأحفوري، سرعان ما جعل الاتجاه في أمريكا يكمن في تفويض يريد للأوروبيين إدارة الأزمات التي أثرت على أمن قارتهم. كل شيء تغير في الواقع، مع الانسحاب أمريكي: الإرهاق العسكري، ونضوب الميزانية والتحول الكوني للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد اكتشفت في سياسة بايدن الخارجية المزيد من علامات الاستمرارية أكثر من عناصر القطيعة مع أسلافه، وبدوره تبنى استراتيجية الانطواء التي نفذها دونالد ترامب حين رفع شعار "أمريكا أولا"، على سبيل المثال بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان. ويتضح غياب اتخاذ مبادرات بشأن العالم العربي والقضية الفلسطينية والتمسك بالمواقف الإسرائيلية من القضية الفلسطينية والتطبيع مع دول الخليج. وهذا التوجه سمح للصين بمواصلة تموضعها في أفريقيا وفي أمريكا اللاتينية.

وعلى الرغم من اتجاه أمريكا إلى أوروبا في مساندة أوكرانيا ضد الهجوم الروسي من خلال الدعم العسكري والعتاد وممارسة أوروبا الحرب بالوكالة، والذي أعيد تأكيده لصالح الأزمة الأوكرانية، له أيضًا بعض الدوافع الخفية: توقف شحنات الغاز الروسي يجبر الأوروبيين على التحول إلى استيراد الغاز المسال المنتج في الولايات المتحدة ؛ علاوة على ذلك، اتجه الأوروبيون إلى تخصيص المزيد من موارد الميزانية للدفاع مما ينعش الطلب على المعدات العسكرية الأمريكية، وبالتالي تكون الجهود الأمريكية في المحيط الهادئ قادرة على الانتشار دون عقبات كبيرة . 

جو بايدن مقتنع أيضًا بأن الأمر متروك للأوروبيين لتنظيم أنفسهم ولتنسيق جهودهم الدفاعية وتكثيفها؛ حيث حصل، في غضون أسابيع قليلة، على ما فشل أسلافه في تحقيقه خلال عدة عقود: إعادة تأهيل الناتو، وتوسيعه ليشمل دولًا محايدة حتى الآن وجيران روسيا، مثل فنلندا والسويد، وإحياء "إعادة التسلح الألماني" .

 

 في الواقع تظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم: تصل ميزانية الدفاع الأمريكية إلى 800 مليار دولار، أو 40٪ من إجمالي الإنفاق العسكري على الصعيد العالمي، وتمثل حصة الصين 14٪ فقط وروسيا تزيد قليلاً عن 3٪. وينطبق الشيء نفسه على سباق التسلح النووي حين تنفق الولايات المتحدة 44 مليار دولار على ذلك، أي أربعة أضعاف ما تنفقه الصين أو روسيا. ولا يزال النقص هائلاً، حتى لو ثمنت روسيا جهودها العسكرية لمدة عشر سنوات بعائداتها من النفط والغاز أو رفعت الصين ميزانيتها بنسبة 270 % تظل الولايات المتحدة الجيش الرائد في العالم، لكنها قوة متقهقرة جيواستراتيجيا، الشيء الذي يفتح الباب على مصرعيه لزعامة الكون أمام قوى جديدة أخرى، بسبب الافتقار إلى القيادة والتعددية الفعالة البديلة؛ حيث أصبح العالم،والحالة هاته، أكثر غموضًا ولا يمكن التنبؤ به. وضمن هذه اللعبة المعقدة والخطيرة، فإن الأوروبيين هم أول من يتعرض للهجوم والحرب مشتعلة اليوم في عقر دارهم .

 لذلك يلاحظ، في القسم الثاني من الكتاب،مدى الأهمية الكبرى التي يوليها الرئيس هولاند، لمواجهة كل التهديدات الخارجية والداخلية على السواء للعالم الغربي من خلال الحرص الشديد على دعم القيم الديمقراطية والمواطنة الحقة، في خضم الأزمات والكوارث والحروب التي يعرفها مقابل التمدد الصيني،البلد المستفيد أكثر من فضائل العولمة؛ وذلك من خلال توفير بوصلة لاستشراف المستقبل عبر إعادة التفكير في بناء عقيدة جديدة لأوروبا تدخل ضمنها السيادة الطاقية،عبر جمع ورص الصفوف في حضن الولايات المتحدة الأمريكية وتوسيع حلف الناتو. وهذا رهين بالتزام جديد وبانخراط في قضايا وتحديات العصر الكبرى وبلورة سياسة خارجية جديدة في خدمة القارة وبلدان الجنوب على السواء، وفق أهداف استراتيجية وبرامج محددة ذات أولوية في مواجهة كل الآفات المحتملة. 

 

تفاصيل الكتاب:

عنوان الكتاب: الاضطرابات: لفهم النظام الجديد للعالم

الكاتب : فرنسوا هولاند

دار النشر : ستوك،باريس

السنة :2022 

اللغة : فرنسي

الصفحات : 139

أخبار ذات صلة