في صدام الحضارات وحوارها

نوف السعيدي

بالرغم من أنّ البشرية تحوز يوما بعد يوم إمكانيات جديدة للتقارب، إلا أنّ الحاصل هو ارتفاع أصوات العداء والكراهية، مقابل الحوار والتسامح. يبحث محمد بوهلال في مقاله "مقولة حوار الحضارات وجدالها في التجربة التاريخية الإسلامية" في مدى إمكانية الحوار، وهل هو أمر قابل للتحقق أم أنها مجرد أسطورة لا يمكن أن يكون لها مكان في عالم محموم بالصراعات، ولطالما كان محموما بها مذ وجد.

بداية دعونا نتفق على أن طرفي الحوار – أو الصراع – الذي نتحدث عنه في هذا المقال هو الشرق (الأوسط تحديدا) مقابل الغرب.

 

صراع الحضارات وحوار الحضارات:

حتى نصل إلى الحديث عن حوار الحضارات لابد من التعريج على المسار التاريخي للمفهوم، وسياق ظهوره وتطوره. لقد تعلمت البشرية خلال الحروب العالمية - بالطريقة الصعبة - ما تعنيه الصدامات القومية والإقليمية المسلحة، لذا سعت بكل الطرق ألا تكررها. وأخيرًا وبنهاية الحرب الباردة كان هناك نظام سياسي أثبت - إلى حد ما - فاعليته وبدا أنّه الأقدر على استيعاب الشعوب الممتزجة. ادعى فرانسيس فوكوياما في أطروحته "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" أن الديمقراطية الليبرالية ستكون النظام السائد حول العالم. بينما استطاع صامويل هنتنجتون في "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" أن يلمس مناطق القصور في طرح زميله. ورأى أننا بعيدون عن هذه المرحلة، بل وأن العالم مقبل على صراع حضاري، صراع اجتماعي ثقافي بين الحضارات الكبرى وعلى رأسها المسيحية (بتعداد يفوق البليوني إنسان)، والإسلامية (بتعداد يتجاوز البليون).

وجد إدوارد سعيد في محاضرته "خرافة صدام الحضارات" آراء هنتنجتون عدوانية وساعية للتدخل في الحضارات الأخرى ودفعها لأن تكون "غربية". فهنتنجتون يؤكد على وجود الصدامات، بدلاً من دفع الأفكار التي قد تساعدنا على فهم المشهد العالمي الحالي أو الأفكار التي من شأنها أن تحاول التوفيق بين الثقافات والحضارات المختلفة.

تلا ذلك ظهور مفهوم جديد كرد فعل "متفائل" على صدام الحضارات، حيث ظهر مصطلح "حوار الحضارات" على يدي الرئيس الإيراني محمد خاتمي، مستلهما من الفيلسوف هانز كوشلر، كدعوة لمحاولة إرساء حوار بناء.

 

الحوار في الإسلام:

يرى الكاتب أنّ الحضارة الإسلامية بنيت على أساس التسامح وتقبل الآخر لأنها رسالة كونية. ويدلل على ذلك بحجج منها:

  • الحوار في النص المقدس: توجد الكثير من الآيات القرآنية الداعية للتسامح، تقبل الآخر، الحوار. حتى أن الإسلام يعترف للمسيحية واليهودية بالأصل الإلهي لمعتقداتهم.
  • التعايش مع الأديان الأخرى: عدم إجبار الشعوب الواقعة تحت سلطة الدولة الإسلامية على الدخول في الإسلام. والسعي لتوفير الجو الملائم لهم لممارسة شعائرهم.
  • استيعاب معارف وعلوم الحضارات الأخرى والبناء عليها. وبالمقابل إتاحة نتاج الحضارة الإسلامية للجميع من أجل الاستفادة منها، ومواصلة البناء.

لكنّه أيضًا لا ينفي الصراعات التي دارت بين المسلمين أنفسهم منذ فجر الدولة الإسلامية (لم تكن قد أتمت بعد نصف قرن عند وقوع الفتنة الكبرى). وقد انعكس ذلك على نتاجهم حيث حل الاعتراض والنقض والتكفير والشتم، محل الانفتاح والتقبل والحوار. حيث يدعي كل طرف امتلاكه للحقيقة الكاملة مقصيًا تماما الطرف الآخر وأي فرصة حوار معه. فإن كان هذا هو الوضع الداخلي بين المسلمين أنفسهم، فإنّ احتمال تقبلهم للآخر الذي لا يشاركهم الدين نفسه - بعيد كل البعد. وبالمقابل لم يكن الغرب في تلك الفترة بأفضل حالا من حيث قبول الآخر، وتهيئة الظروف الأساسية لتلاقح الحضارات.

صحيح أنّ المنتمين للديانات الأخرى عاشوا في ظل الدولة الإسلامية، لكنهم عاشوا كأهل ذمة، وفق شروط خاصة، أشبه بأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثاني بحسب التعبير المعاصر. ولكن أيضا وحتى لا نبخسهم حقهم فقد يكون هذا التعايش المشروط تقدميا وفق ظروف ذلك الوقت.

وإن كان من شيء يمكن تعلمه من المسيحية فهو تطورها المستمر، ونقدها الدائم لنفسها. فقد شهدت المسيحية نقاشات جريئة وتغييرات عميقة تصل إلى جوهر الدين. فمن تحليل لحم الخنزير، مرورًا بالتسامح مع مسألة زواج رجال الدين، وقبول المثلية، وصولا إلى إعادة النظر في معنى "جهنم" واعتبار الإيمان بها ليس أساسا للمعتقد المسيحي. وبالرغم من أنّها أمثلة بعيدة قليلا عن موضوعنا، إلى أنها تدلل على مدى الانفتاح، والقبول بمراجعة أرسخ القضايا وأكثرها جوهرية للوصول إلى صيغة للدين تماشي متطلبات العصر. إنّ هذه الدرجة من الانفتاح هي الأساسية من أجل حوار بناء.

 

هل الحوار ممكن أم أنّه مجرد أسطورة؟

يجد المراقب للشأن العالمي أنّ هناك علاقة مرتبكة بين الغرب وبين بقية العالم. من جهة يبدو للمجتمع الغربي أنّ المجتمع الدولي يسعى لصنع عالم يتسم بالعدالة، بينما يرى "الآخر" أنّ المؤسسات الدولية لا تعدو كونها أداة توظف لإضفاء الشرعية على القرارات التي تخدم مصالح الأقوياء. وبغض النظر عن أي الادعاءين هو السليم، فالنتيجة واحدة: جو مشحون بعدم الثقة، مما يبقي القليل من الفراغ للحوار. ولكن بما أنّه لا مخرج لنا سوى التعايش معا فعلينا جميعا القبول بالحوار.

نعم نحن جميعا – شئنا أم أبينا – نعيش تحت ظل العولمة، لكن ذلك لا يعني أننا مطالبون أن نكون نسخا متشابهة حتى يتسنى التفاهم. يرى الكاتب أن "حوار الحضارات ليس قضية بروتوكولية؛ بل هو برنامج واسع يشمل البحث والدراسات كما يشمل الملتقيات المشتركة والجمعيات والمعارض والتبادل الثقافي والحضاري وتسهيل العلاقات السياسية والاقتصادية المتكافئة." لكني أتساءل شخصيا إن كانت مثل هذه الأنشطة التي تستهدف النخب تحمل أي حل. إذ أنّ القضية تحتاج إلى أمرين تغيير في الأنظمة السياسية بما يجعلها تتماشى مع الحياة المعاصرة، وأيضًا إعادة قراءة التراث الإسلامي، إذ لا يكفي التباهي بالنصوص التي تحض على التسامح والحوار بل أيضا تقويض المواضع التي تعارضها، وتغيير الخطاب الإسلامي إلى خطاب يحترم الآخر فعليا، عوض أن نكون في علاقة يرى الشرقيون فيها أنّ الغرب أعداء الدين، ويرى الغرب فيها الشرق على أنه بؤرة الإرهاب.

أخبار ذات صلة